تخيل معي يا صديقي أنك تقف على قمة العالم؛ أنت أفضل حارس مرمى في أوروبا، الصحف تتغنى باسمك، وتتصدى لركلات جزاء حاسمة في كأس العالم، وفجأة.. يطرق السير أليكس فيرجسون بابك ليأخذك إلى مسرح الأحلام مع مانشستر يونايتد.
ماذا ستفعل؟ بالطبع ستوقع العقد وأنت مُغمض العينين! لكن بطل قصتنا اليوم، الأرجنتيني كارلوس أنخيل روا، كان له رأي آخر تمامًا؛ فقد حزم حقائبه، وترك الكرة، وهرب إلى الجبال هربًا من نهاية العالم!
إليك القصة العجيبة لحارس هزم المرض وتصدى لأعتى المهاجمين، لكنه هُزم أمام أوهامه.
بدأت رحلة كارلوس روا، المولود عام 1969، بتألق مبكر في الأرجنتين، ورغم إصابته بداء الملاريا في بداية مسيرته خلال رحلة إلى الكونغو، إلا أنه قهر المرض وعاد أقوى، تألقه قاده إلى إسبانيا عبر بوابة نادي ريال مايوركا عام 1997، وهناك انفجرت موهبته.
في إسبانيا، تحول روا إلى سد منيع، وقاد مايوركا لنتائج إعجازية، محققًا جائزة زامورا لأفضل حارس في إسبانيا، بل وتُوج بجائزة أفضل حارس في أوروبا متفوقًا على أساطير مثل الإيطالي بيروتزي والألماني أوليفر كان.
أما على المستوى الدولي، فقد وصل للقمة في كأس العالم 1998 مع الأرجنتين، حيث حافظ على نظافة شباكه في الدور الأول، وكان البطل الأوحد بإقصائه لمنتخب إنجلترا بعد تصديه لركلة جزاء حاسمة.
في ذروة مجده 1998-1999، وبعد أن أصبح حديث العالم، سعى مانشستر يونايتد بكل قوة للتعاقد معه ليكون خليفة الأسطورة بيتر شمايكل، وهنا حدثت الصدمة التي لم يتوقعها أحد!
بدلًا من الانتقال لإنجلترا، اختفى روا تمامًا عن الأنظار ولم يستطع أحد الوصول إليه، ما السر؟ كان الحارس الأرجنتيني ينتمي لطائفة دينية تؤمن إيمانًا قاطعًا بأن العالم سينتهي مع حلول الألفية الجديدة (عام 2000).
تصفح أيضًا: عمر جابر: سننتظر جماهير الزمالك في مباراة كايزر تشيفز للاحتفال بالتأهل لربع النهائي
لذلك، قرر اعتزال كرة القدم، ورفض عرض مانشستر يونايتد، وانعزل في منطقة نائية بالغابات لتهيئة نفسه روحيًا لـ “يوم القيامة”، تاركًا خلفه مجدًا رياضيًا وثروة طائلة!
مر عام 2000، وبالطبع لم ينتهِ العالم كما كان يعتقد! عاد روا من عزلته خالي الوفاض ليستأنف مسيرته مع مايوركا، مبررًا عودته بأن “القيامة تأجلت“.
لكن عودته كانت مشروطة بشرط غريب دمر ما تبقى من مسيرته؛ فقد رفض اللعب نهائيًا أيام السبت لاعتبارها “أيام راحة مقدسة” وفقًا لمعتقداته الجديدة.
وبما أن معظم مباريات الدوري الإسباني تُقام السبت، وجد نفسه حبيسًا لدكة البدلاء، ليُستبعد من الحسابات تمامًا.
انتقل روا إلى نادي ألباسيتي عام 2002 باحثًا عن فرصة جديدة، ونجح في قيادتهم للصعود للدرجة الأولى، لكن القدر خبأ له اختبارًا قاسيًا، حيث أُصيب بسرطان الخصية، كانت صدمة قوية لرجل اشتُهر بلقب “الخسة” لأنه كان نباتيًا صارمًا ولا يقرب التدخين أو الكحول.
ومع ذلك، أثبت روا أنه مقاتل حقيقي خارج الملعب كما كان داخله؛ خضع للعلاج، وهزم السرطان الملعون، وعاد لبلاده الأرجنتين ليختتم مسيرته الكروية بقميص نادي أوليمبو قبل أن يتجه لعالم التدريب.
قصة كارلوس روا هي دليل حي على أن العقل البشري قد يكون أعظم حليف لك أو أشرس أعدائك، رجل امتلك كل شيء: الموهبة، القوة، وعروضًا من أكبر أندية الكوكب، لكنه ألقى بكل ذلك في مهب الريح بسبب وهمٍ سيطر على تفكيره.
قد يراه البعض “أغبى لاعب” لتفريطه في فرصة تاريخية مع مانشستر يونايتد، بينما قد يراه آخرون رجلًا زهد في الدنيا وتمسك بمبادئه مهما كانت غريبة.
وفي كلتا الحالتين، سيبقى اسمه محفورًا كواحدة من أغرب الحكايات التي عرفتها الساحرة المستديرة.

