الثلاثاء, فبراير 24, 2026
الرئيسيةالثقافة والتاريخإلياس خوري... فقدانُ مَن تبقّى من جيلِ الآمال الضائعة والخيبات!

إلياس خوري… فقدانُ مَن تبقّى من جيلِ الآمال الضائعة والخيبات!

عرفتُه في وقتٍ مبكرٍ من رحلتي إلى المنفى «الواجب» في بيروت والشام، في نهاية السبعينيات، للمساهمة في إعادة ترتيب خيارات الحزب الشيوعي العراقي في مواجهة حملة القمع الفاشية التي صعّدها نظام البعث تحت شعار «التصفية الجسدية بمختلف الأساليب والأدوات، أو الاستسلام والانتحار السياسي بالدخول في خيمة البعث». لا يتكفّل اللقاءُ الأول دائماً بخلق وشائجَ تفاعلٍ تتشكّل وتمتد مع مبدعٍ إشكاليٍّ يقايس نبض مودته بثقل همٍّ يتجاوز إشكاليات الحياة، بل يختزل نشاطه الفكري والإبداعي، ويتدفّق في روح كتاباته الصحافية ومعاركه اليومية!

هكذا كان اللقاءُ الأول بين مدرستين حزبيتين، وإلى حدٍّ ما فكرتين، تجاورتا ولم يُكتب لهما أن تتوحَّدا في مواجهة الانحدار والخراب والاستبداد الذي حلّ بالأمة العربية ودولها. رغم استنكاف أكثرها عياطاً، وهي تتقاذف مع أشقائها شعارات «المجد للأمة»، عن الإحساس بالانتماء إلى المصير العاصف المخبوء لها، الذي لن يُبقي على أي هدفٍ مضمرٍ لاختيارٍ خارج حصار الأزمة المصيرية الخانقة.

فواز طرابلسي

كان هذا لقائي الأول مع إلياس خوري في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبدا لي كما لو أنه آخر لقاء. ولم يكن يبدو لي أنه مستعدٌّ لأي اهتمامٍ لا يلتقي مع تلبّسه الحميم بفلسطين، القضية الأسمى، والشعب الفلسطيني الهوية الشاردة!

لكنني، وأنا أتوقف عند مجسّات إلياس وتوحّده مع همّه الفلسطيني العروبي، فاتني للحظة أن استغراقي الملتاع بمحنة العراق والعراقيين، دون انتباهةٍ للدروب التي تلتقي على مساراتها أوجاعٌ ومحن وأزمات هي الأخرى، يمكن أن تثير التباساً عند الآخر الذي يرى أن فلسطين تعلو على «الصغائر» التي تبدو أنها أولوية لوطنٍ مستلبٍ من داخله لطاغيةٍ ومستبدٍّ مثيرٍ للشبهات.

وتتالت الأحداث، وكلها كانت فجائعية، تنحدر بدولةٍ خلف أخرى، ومعها تخفت الشعارات الصاخبة، ويتراجع معها الاهتمام بالقضية الفلسطينية، لتتحوّل إلى ملهاةٍ تتقاذفها ركلات القادة والساسة والأحزاب، ويتدنّى الاهتمام الشعبي بمصائر الشعب الفلسطيني بعد أن أصبح نهباً للاستراتيجيات المشبوهة، شعاراً مجرّداً، يأكل من رصيد كفاحٍ دامٍ، حصد آلاف الشهداء، وأفرغ نضالاتٍ قائمة من مضامين التأسيس الأول للحراك الوطني الشعبي.

اقرأ ايضا: كارمن سليمان: الفيديو كليب يمنح الأغنيات التكامل والإبهار

سعد الله ونوس

إلّا صوت إلياس خوري، فلم يخفت، بل ازداد عناداً وتشبّثاً بالأمل والتشوّف… لكن لإلياس وجهه الإنساني النبيل، المغسول بينابيع الحرية والعدالة والنبل والنزوع نحو المثل والقيم التي يريد لها أن تسمو. وقد يضيء شخصيةَ إلياس خوري موقفٌ أستذكره من سنوات دمشق في النصف الثاني من القرن الماضي.

في تلك المرحلة العصيّة، وجدتُ من بين وسائل أخرى لاستنهاض الحياة الثقافية والفكرية، إصدار مجلة «المدى» الثقافية الجامعة، منصة تحمل بصمات المثقفين والمبدعين في العالم العربي ممن يبحثون عن منبرٍ يعبّر عنهم، لا تتسع لهم المطبوعات القائمة.

ولبلورة هوية المجلة وتوجّهاتها وكل ما يتعلّق بسويتها، دعوتُ نخبةً من الأصدقاء المكرّسة أدوارهم وحضورهم الإبداعي: عبد الرحمن منيف، وسعد الله ونوس، وفيصل درّاج، وإلياس خوري، ومحمد دكروب، وسعدي يوسف، وفواز طرابلسي… دار النقاش في جوٍّ من الودّ والمسؤولية حول كل جوانب المشروع. وتبلور النقاش حول كل جوانب العمل والهوية والمسؤوليات. ومن بين ما دار النقاش حوله، سؤال وُجّه إليّ يتعلّق بموقعي ودوري في المجلة.

عبد الرحمن منيف

كان جوابي أنّ أوساطاً واسعة من المثقفين العرب يؤاخذون الشيوعيين على موقفهم السلبي من الدور المستقل للثقافة، وإصرارهم على إبقائها في ظلّ الحزب، ويحولون دون أن تكون للمثقف شخصية مستقلة. وأرى أنّ الوقت مناسب، مع هذا التراجع الخطير على الصعيد السياسي العربي، أن نحوّل الثقافة إلى رافعةٍ تسهم في الارتقاء بالاستعداد السياسي لقوى المجتمعات العربية، وللمثقفين في الصدارة لمواجهة التحديات المصيرية. ولتجاوز الالتباس أكّدتُ بوضوح أنّ المجلة من حيث نهجها وسياستها الثقافية ستكون تحت تصرّف هيئة التحرير دون أي تابوهات. وسأكون واحداً من هيئة التحرير، لي ما لأعضائها من حقوق.

وفي مجرى النقاش حول هوية المجلة ومتطلبات إصدارها، وتأكيد جوانب من الحقوق والاشتراطات وتوزيع المهام، وجدتُ أن بعضاً من المتطلبات المطروحة ثقيلة، يمكن أن تعيق استمرار المجلة. ومع ذلك طلبتُ أن نُقرّ ما طُرح في الاجتماع التالي بحضور إلياس خوري، لأن من الضروري أن نشارك جميعاً في إقرار الالتزامات والتوجّهات وكل ما يتعلّق بالمجلة.

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات