في ذروة الخلاف بين القيادتين السياسية والعسكرية في إسرائيل، حول الجدوى من احتلال غزة، يواصل الجيش تنفيذ قرار الحكومة مطلقاً عمليات قصف رهيبة في مدينة غزة لدفع أهلها إلى الرحيل لأماكن غير آمنة جنوباً.
وعندما تمكن الجيش من تحرير جثتين لاثنين من الرهائن الخمسين لدى «حماس»، استمد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، التشجيع ليطلب كل منهم ضربات أشد.
وقال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه تمكن من تحرير جثماني أسيرين خلال عملية عسكرية في قطاع غزة، أحدهما إيلان فايس (55 عاماً) من كيبوتس بئيري، فيما لم يُكشف عن هوية الآخر بعد لاستكمال فحوصات الحمض النووي. وقال مصدر أمني في تل أبيب، إن عملية استعادة جثماني الأسيرين من قطاع غزة «نجحت بفضل عمل استخباراتي ميداني في منطقة معادية للغاية داخل القطاع، والتحقيق مع معتقلين من (حماس) وغيرها»، وبناء عليه، بقي 48 أسيراً محتجزين في قطاع غزة، نحو 20 منهم على قيد الحياة، في حين حظرت الرقابة العسكرية نشر أي تفاصيل تتعلق بمكان العملية أو توقيتها.
دبابة إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
وتلقف نتنياهو النبأ ليثبت أن طريقته في تفضيل العمل العسكري هي المجدية، وهاجم قيادة الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى «التي تسرب للصحافة أنباء كاذبة تنطوي على التحريض والاتهامات الباطلة».
نوصي بقراءة: استشهاد 27 فلسطينيا وإصابة 180 آخرين برصاص الاحتلال الإسرائيلي قرب مركز مساعدات رفح
وكما كان متوقعاً، طلب سموتريتش أن تتخذ الحكومة قراراً مبدئياً واضحاً باحتلال كل قطاع غزة والبدء بضم مناطق منه إلى إسرائيل تمهيداً لعودة الاستيطان اليهودي فيه. وقال: «لا يكون هناك انتصار كامل إلا بالاحتلال الكامل ومواصلة العمليات حتى تستسلم (حماس) وترحل».
بالمقابل، أكد الجيش التزامه قرارات القيادة السياسية، ونشر خططه لاحتلال غزة موضحاً أنه يطبق القرار بحذر حتى يتفادى المساس بالرهائن الإسرائيليين، لكنه واصل نشر تسريبات للصحافة تتهم نتنياهو بتضليل الرأي العام، وحتى ترمب، بإقناعه بحيوية احتلال غزة وقرب إنجازه.
وبحسب ألون بن ديفيد، المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، فإن إيال زامير هو أول رئيس أركان للجيش تنجح القيادة السياسية في إجباره على الخروج إلى حملة أو إلى حرب لا يؤمن بها، منذ قيام إسرائيل. وهو يفعل ذلك على رؤوس الأشهاد فيؤكد أنه لا يؤمن بهذا الاحتلال. ويستخدم التكتيك العسكري لجعله يتم ببطء ظاهر. ففي الوقت الحاضر، تستعد قوة ضيقة نسبياً من الجيش الإسرائيلي في المواقع تمهيداً لتطويق المدينة. في الأسبوع القادم سيبدأ تجنيد الاحتياط. وفقط في منتصف سبتمبر (أيلول) سيكمل الجيش عملية التطويق، كخطوة مسبقة قبيل احتلال المدينة، «وذلك على أمل أن يستغل المستوى السياسي هذه المساحة الزمنية لاتخاذ قرار يوقف السخافة، قبل الكارثة».
دبابة إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
يذكر أن الجيش الإسرائيلي استقبل عدداً من المراسلين العسكريين في محيط مدينة غزة وأجرى لهم جولة ميدانية داخل القطاع، فخرجوا بانطباع أن الجيش ما زال مقتنعاً بأن غزة ستكون فخاً استراتيجياً، وأن نتنياهو واعٍ لجر أرجل الجيش إليه، لكنه يراهن على أن تستسلم «حماس» قبل أن يكتمل هذا الاحتلال. إلا أن «حماس» بحسب تقديرات الجيش «تستغل الزمن جيداً لتعزيز قواتها في مدينة غزة ولتبني إجراءات قتالية لأسابيع طويلة استعداداً للمرحلة التالية من المعركة. فقد جمعت بضعة آلاف من المقاتلين في المدينة التي هي قلب حكمها في القطاع. هؤلاء ليسوا المقاتلين المدربين والمنتعشين الذين التقاهم الجيش الإسرائيلي في غزة في نهاية 2023. كثيرون منهم شبان وعديمو التجربة لكنهم تعلموا القليل اللازم كي يخوضوا قتال عصابات في المنطقة المدنية المكتظة. وفي الأسابيع الأخيرة ينشغلون بتفخيخ مبانٍ ومحاور يتوقعون أن تدخل إليها قوات الجيش الإسرائيلي، يحاولون إعادة تأهيل وربط الأنفاق التي لا تزال موجودة كي يديروا منها القتال، وهنا وهناك توجد محاولات محدودة لإنتاج محلي لصواريخ آر بي جي. ويفترض الجيش الإسرائيلي أيضاً أن (حماس) تعد لهم أيضاً (كمائن إنسانية) تؤدي إلى مس كبير بالمدنيين وتزيد الضغط الدولي على إسرائيل وبالتوازي تستعد للمساس بالمخطوفين المتبقين كي تمارس الضغط على الرأي العام في إسرائيل أيضاً».