يبدو أن صراع البقاء في الدوري المصري الممتاز لموسم 2025/ 2026 قد تحول من “معركة كروية” إلى “حرب باردة” شعارها الحذر المبالغ فيه والخوف من المجهول؛ فمع انطلاق مرحلة الهبوط، سيطرت حالة من الجمود الفني على أغلب المواجهات، وكأن الأندية اتفقت ضمنياً على أن “النقطة التي تعرفها أحسن من الثلاث نقاط التي لا تعرفها”، مما جعل الشباك تعيش حالة من الراحة الإجبارية في معظم الملاعب.
الأرقام التي تعكسها نتائج الجولات الأولى لهذه المرحلة تثير الدهشة؛ فمن بين 14 مباراة أقيمت حتى هذه اللحظة، انتهت 12 مباراة كاملة بالتعادل، وهو رقم قياسي يعكس غياب الرغبة في المغامرة الهجومية، والأدهى من ذلك أن 7 مباريات من هذه التعادلات كانت سلبية تماماً (0-0)، مما يعني أن نصف مواجهات هذه المرحلة لم تشهد اهتزاز الشباك ولو لمرة واحدة، وهو ما أصاب الجماهير بحالة من الملل التكتيكي.
هذا “الشلل الهجومي” ليس نتاج ضعف فني بقدر ما هو نتاج ضغط نفسي رهيب يمارسه شبح الهبوط على الأجهزة الفنية؛ فخسارة مباراة واحدة في هذه المرحلة قد تعني الاقتراب خطوة مميتة من “مقبرة” الدرجة الثانية، لذا، يفضل المدربون تكثيف التواجد الدفاعي وتأمين المناطق الخلفية بـ “خمسة مدافعين” أحياناً، مفضلين الخروج بنقطة “آمنة” على المخاطرة بفتح الملعب واستقبال هدف قد لا يمكن تعويضه.
تفسر الإحصائيات الحالية لمرحلة الهبوط فلسفة “الأمان أولاً” التي تنتهجها الأندية؛ فالحصول على 12 تعادلاً من أصل 14 مواجهة يؤكد أن الجميع يلعب “لكي لا يخسر” وليس “لكي يفوز”.
قد يهمك أيضًا: التشكيل المثالي للجولة الثالثة من دوري أبطال أوروبا 2025/2026
هذا التوجه جعل المهاجمين في حالة عزلة تامة، حيث تتركز التعليمات الفنية على غلق المساحات وتأمين منطقة العمليات، مع الاعتماد فقط على كرات طولية نادرة أو انتظار خطأ فردي ساذج من الخصم، وهو ما نادراً ما يحدث في ظل التكتل الدفاعي الرهيب.
وبالنظر إلى الصور والنتائج المسجلة، نجد حالات غريبة من التماثل؛ حيث انتهت مواجهات الجونة ضد الاتحاد ومودرن سبورت ضد وادي دجلة والإسماعيلي ضد طلائع الجيش، وحرس الحدود ضد الإسماعيلي جميعها بالتعادل السلبي 0-0.
وحتى عندما تحضر الأهداف، يرفض أي طرف أن يخرج خاسراً، كما حدث في تعادل المقاولون العرب وبتروجيت (2-2) أو تعادل غزل المحلة والبنك الأهلي (1-1)، وكأن هناك “ميثاقاً غير مكتوب” يمنع أي فريق من حصد الثلاث نقاط كاملة إلا في حالات استثنائية جداً، مثل فوز البنك الأهلي على حرس الحدود (4-2) أو فوز “زد” على طلائع الجيش (1-0).
هذا الحذر الزائد أدى إلى اختفاء الفوارق الفنية؛ فالفريق الذي يمتلك مهارات هجومية يخشى التقدم لكي لا يترك مساحات، والفريق الأضعف يكتفي بالدفاع المستميت للخروج بنقطة يراها “إنجازاً”، وهذه الحالة من “التوازن السلبي” جعلت مباريات الهبوط تفتقر للندية الحقيقية، وتحولت إلى ماراثون من الدفاع الممل الذي لا يخدم سوى الفرق التي تبحث عن أنصاف الحلول للهروب من شبح الدرجة الثانية، دون النظر إلى جودة كرة القدم المقدمة.
يبقى التساؤل الأهم مطروحاً فوق العشب الأخضر؛ هل ستصمد هذه الحصون الدفاعية طويلاً؟ فمع اقتراب نهاية المرحلة، ستضطر بعض الأندية حتماً للمخاطرة بحثاً عن انتصار وحيد يضمن لها البقاء بشكل قطعي، وحينها فقط قد نرى انفجاراً تهديفياً يكسر لعنة الـ 0-0 التي سيطرت على المشهد، فالنقطة الواحدة قد تكون طوق نجاة مؤقت لتهدئة الأوضاع، لكنها أبداً لن تكون الحل النهائي في دوري يلفظ الخائفين ولا يعترف إلا بمن يجرؤ على غزو الشباك.

