لم يكن المجتمع الأردني يوما مجتمعا منفلتا أو فاقدا لبوصلته الأخلاقية؛ فعلى مدار عقود طويلة، شكلت القيم المحافظة، والمنظومة العشائرية الرصينة، والوازع الديني المتجذر، سياجا منيعا حمى النسيج الاجتماعي من كثير من الأمراض السلوكية التي فتكت بمجتمعات أخرى.
ومع ذلك، طفا على السطح في الآونة الأخيرة نقاش صاخب -غذته منصات التواصل الاجتماعي- حول ملف “التحرش”، وصل بالبعض إلى حد وصم المجتمع بأنه يعاني من “ظاهرة” متفشية.
هذا التقرير الموسع يأتي ليضع النقاط على الحروف، وليعيد توصيف المشهد بدقة وموضوعية، بعيدا عن التهويل الإعلامي أو التعميم الجائر، مثبتا بالتحليل الاجتماعي والواقعي أن ما يشهده الأردن هو “حالات فردية”، مهما تعددت أشكالها، فهي لا تعدو كونها استثناء يؤكد قاعدة “العفة والمحافظة” التي تسم الغالبية العظمى من الأردنيين.
قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من وقفة علمية عند تعريف “الظاهرة الاجتماعية”. في علم الاجتماع، توصف السلوكيات بأنها ظاهرة عندما تكون:
بإسقاط هذه الشروط على الواقع الأردني، نجد أن وصف التحرش بـ “الظاهرة” هو وصف يفتقر إلى الدقة، وذلك للأسباب التالية:
الرفض المجتمعي القاطع: إن ردة الفعل العنيفة والغاضبة التي يبديها الشارع الأردني تجاه أي فيديو أو خبر يتعلق بحادثة تحرش، هي الدليل الأكبر على أن الجسد المجتمعي “يلفظ” هذا الورم ولا يتقبله.
نسبة الحدوث مقارنة بعدد السكان: في وطن يعيش فيه أكثر من 11 مليون إنسان، تظهر بين الفينة والأخرى عشرات أو حتى مئات القضايا سنويا.
رغم ألمها، إلا أنها بلغة الأرقام تبقى ضمن نطاق “الانحرافات الفردية” وليست سلوكا عاما.
لعبت التكنولوجيا دورا مزدوجا وخطيرا في تشكيل الصورة الذهنية لهذا الملف.
إن القول بأن التحرش “ظاهرة” هو تجاهل متعمد لطبيعة التركيبة النفسية والاجتماعية للفرد الأردني.
نوصي بقراءة: مستوطنون يحطمون شواهد قبور إسلامية في القدس
ثقافة “العيب” و”النخوة”: لا يزال مفهوم “العيب” يشكل حاكما قويا للسلوك. في الأردن، يعتبر الاعتداء على حرمة الطريق أو إيذاء فتاة “سقطة رجولية” لا تغتفر عشائريا واجتماعيا.
في كثير من الحالات، يتدخل المارة في الشارع لحماية الفتاة وردع المتحرش قبل وصول رجال الأمن، وهذا دليل على أن “المناعة المجتمعية” لا تزال بخير.
إذا اتفقنا على أنها حالات فردية، فلا بد من الاعتراف بوجودها وتنوعها، لكن ضمن سياق تحليل الأسباب التي دفعت هذه “القلة” للخروج عن النص المجتمعي.
لا يمكن إنكار أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وتأخر سن الزواج، قد خلقت نوعا من “الكبت” غير المبرر لدى فئة قليلة من الشباب، الذين لم يمتلكوا القوة النفسية والإيمانية للصبر والتعفف، فلجؤوا إلى تفريغ هذا الكبت بأساليب منحرفة ومرفوضة.
مما يدحض فكرة أن المجتمع متساهل مع هذه الظاهرة، هو التشدد القانوني الواضح من الدولة الأردنية. قد أجريت تعديلات جوهرية على قانون العقوبات (المادة 306)، حيث تم تغليظ العقوبات لتصل إلى الحبس المشدد، ولم تعد عقوبة “الغرامة” وحدها كافية.
كما أن “وحدة الجرائم الإلكترونية” التابعة للأمن العام تعمل بليل ونهار لتتبع كل من تسول له نفسه ابتزاز فتاة أو التحرش بها إلكترونيا، وتحقق نسب ضبط عالية جدا، مما يؤكد أن الدولة بأجهزتها لا تتهاون مع هذه “الحالات الفردية” وتتعامل معها بحزم لمنع تحولها إلى ظاهرة.
إن الإصرار على وصف الأردن ببؤرة للتحرش ينطوي على مخاطر كبيرة:
الأردن بلد سياحي يعتمد على سمعته كواحة أمن وأمان واحترام للضيف. الترويج لهذه الافتراءات يضر بالقطاع السياحي ويخيف الزوار دون وجه حق.
إن ما يشهده الأردن من حوادث تحرش هي “فقاعات” تظهر على سطح نهر صاف؛ سببها دخول شوائب ثقافية أو ضغوط اقتصادية على نفوس هشة.
إن الاعتراف بوجود هذه الحالات هو الخطوة الأولى لعلاجها، لكن يجب أن يكون العلاج بحجم المرض، لا أكبر منه. المطلوب اليوم ليس جلد الذات ولا شيطنة المجتمع، بل تعزيز مناعته من خلال:
سيبقى الأردن، بمخزونه الحضاري والقيمي، عصيا على الانجراف وراء هذه السلوكيات الدخيلة، وستبقى هذه الحوادث مجرد “هوامش” سوداء في صفحة مجتمع أبيض، محافظ، وأصيل.

