بعد انتظار دام تسعة أشهر، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث من المتوقع أن يصدر الاحتياطي الفيدرالي قراره التاريخي الأول في عهد الرئيس دونالد ترمب بخفض أسعار الفائدة. وهو قرارٌ يبدو شبه محسوم بخفض ربع نقطة مئوية، لكن ما يدور خلف الأبواب المغلقة من صراع نفوذ قد يحدد مستقبل استقلالية البنك المركزي.
يحمل اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الذي يستمر ليومين، عنصراً من التشويق لم يسبق له مثيل. فقبل ساعات قليلة من القرار، كانت هناك حالة من عدم اليقين حول هوية المصوّتين وحجم التخفيض المحتمل. هذه الدراما السياسية تعكس التجاذب المتصاعد بين البيت الأبيض و«حراس» السياسة النقدية.
تتألف اللجنة من 12 عضواً، سبعة منهم من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأربعة رؤساء من بنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية الـ11 الأخرى الذين يتم اختيارهم على أساس تناوب سنوي. ويتمتع سبعة محافظين في الاحتياطي الفيدرالي بحق التصويت على أسعار الفائدة، إلى جانب خمسة من رؤساء البنوك الإقليمية الثمانية الذين يتناوبون على التصويت.
شهدت الساعات الأخيرة تحركات حاسمة:
1- ستيفن ميران تحت الأضواء: وافق مجلس الشيوخ على تعيين ستيفن ميران، أحد كبار مستشاري ترمب الاقتصاديين، لملء مقعدٍ شاغر. مع العلم بأن ولاية ميران لن تتجاوز بضعة أشهر، وهو ما دفعه إلى الإعلان أنه لن يستقيل من منصبه في البيت الأبيض، مكتفياً بأخذ إجازة دون أجر. هذا الإجراء، الذي وصفه البعض بأنه «سابقة خطيرة»، يأتي بعد تصريحات لميران أهان فيها الأعضاء الحاليين بقوله إنهم يعانون من «متلازمة جنون الرسوم الجمركية». وكان اقترح علناً منح البيت الأبيض سلطة تعيين وإقالة واسعة لمسؤولي البنك.
ستيفن ميران يدلي بشهادته خلال جلسة استماع في لجنة المصارف بمجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه بمجلس الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
2- معركة ليزا كوك: في جبهة أخرى، حاولت إدارة ترمب عزل المحافِظة ليزا كوك، التي رشحها الرئيس جو بايدن، في محاولة لمنعها من التصويت، لكن محكمة الاستئناف أصدرت، مساء الاثنين، حكماً يسمح لها بالتصويت. وهذا يعني أن كوك ستشارك بشكل كامل في اجتماع السياسة النقدية في غياب تدخل فوري من المحكمة العليا.
محافِظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك تحضر اجتماعاً في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
يصرّ ترمب على خفض كبير لأسعار الفائدة التي تتراوح حالياً بين 4.25 في المائة و4.50 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واصفاً قرار التخفيض المحتمل بـ 25 نقطة أساس بأنه «ليس كافياً». وفي منشور على حسابه الخاص على «سوشيال تروث»، طالب ترمب، يوم الاثنين، بخفض لأسعار الفائدة أكبر من المتوقع، الذي هو 25 نقطة أساس، ووصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأنه «متأخر جداً». وقال إن تخفيضات أسعار الفائدة التي يدرسها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي ليست كافية. وكان دعا في يوليو (تموز) الماضي إلى خفض أكبر بكثير، وقال إن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أعلى بثلاث نقاط مئوية على الأقل.
ورغم أن الأسواق المالية تتوقع بنسبة 96 في المائة خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس، فإن الساحة السياسية داخل اللجنة لا تخلو من الانقسامات. فمن هم الأعضاء الذين قد «يصغون» لمطالب ترمب؟
تصفح أيضًا: سويسرا تواصل مفاوضات الرسوم مع واشنطن وسط مخاوف على الوظائف
رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي سابق (رويترز)
يترأس باول الاجتماعات السنوية الثمانية للبنك المركزي. ويتمتع الأعضاء الأحد عشر الآخرون المصوّتون في لجنة السوق المفتوحة برأي متساوٍ في كل قرار يتعلق بأسعار الفائدة الفيدرالية من خلال تصويت الأغلبية.
والسؤال هنا: مَن من اللجنة الذي «سينصاع» لمطالب ترمب؟ توضح تركيبة اللجنة هذه اعتبارات الأعضاء في تصويتهم:
وبالتالي، فإن حلفاء ترمب هما بومان ووالر، حيث صوّتا لصالح خفض سعر الفائدة في اجتماع يوليو الماضي. كما أن وجود المرشح الجديد ستيفن ميران يعزز هذا التيار المطالب بخفض أوسع. وفي ظل غياب أغلبية واضحة لفرض تغييرات جذرية، قد يكون تأثير ميران الأكبر هو من خلال تصريحاته العلنية، التي تهدف إلى إثارة النقاش حول السياسة النقدية، وفتح الباب أمام تغييرات أكبر في المستقبل.
متداول يراقب شاشة تداول الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أما المعتدلون والمحافظون فهم: باول الذي يعي حساسية موقفه بصفته رئيساً عينته إدارتان مختلفتان، والذي يواجه تحدي تحقيق التوازن، كما أن أعضاء مثل فيليب جيفرسون وجون ويليامز، هم أقرب إلى نهج باول الحذر، بينما يمثل رؤساء الفروع الإقليمية مثل جيفري شميد نهجاً متشدداً يخشى التضخم.
وفي هذا الإطار، نقلت «رويترز» عن ديريك تانغ من مؤسسة «إل إتش ماير» للأبحاث الاقتصادية، قوله إنه «من المحتمل أن ينظر الناس إلى محافظي المجلس من منظور من قام بتعيينهم، بدلاً من أن يتوقعوا منهم اتخاذ قرارات محايدة بناء على البيانات الاقتصادية»، وهو ما وصفه بأنه «تحول كبير بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي لطالما نأى بنفسه عن السياسة».
وبغض النظر عن هذه التطورات، ينصب تركيز الاحتياطي الفيدرالي على جانب آخر – على اقتصاد يشهد سوق عمل أكثر هشاشة مما بدت عليه الحال عندما اجتمع صانعو السياسات آخر مرة في أواخر يوليو، بينما يستمر التضخم في الارتفاع فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الرسوم الجمركية الصارمة التي فرضها ترمب على الواردات.
ماذا ينبغي على الاحتياطي الفيدرالي فعله؟ في المجمل، بينما يُثير ضعف سوق العمل القلق، فإنّ حالة عدم اليقين بشأن التضخم لا تُبرّر إجراء تخفيف كبير هذا الأسبوع، بحسب محللين الذين يرون أن خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس يبدو خطوة معقولة.
وهكذا، لن يكون قرار الغد مجرد إعلان عن سعر فائدة جديد، بل سيكون أول اختبار حقيقي لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة رغبات رئيس البيت الأبيض. فهل سيتمكن باول وزملاؤه من الحفاظ على سيادة أهم مؤسسة نقدية في العالم، أم أننا نشهد بداية عهد جديد يكون فيه الاحتياطي الفيدرالي مجرد امتداد للسياسة؟

