الإثنين, مارس 2, 2026
الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةدراسة أسرار الإبل ليست ترفاً علمياً بل تذكير بأن الطبيعة تمنحنا حلولاً...

دراسة أسرار الإبل ليست ترفاً علمياً بل تذكير بأن الطبيعة تمنحنا حلولاً بارعة

كان لي شرف المساهمة في مهرجان الملك عبد العزيز للإبل في المملكة العام الماضي، الذي حمل شعار «سنة الإبل»، تكريماً لهذا الكائن العجيب الذي شكّل جزءاً من هوية الجزيرة العربية.

وطوال ستين عاماً من عمري، كنت مقتنعاً بأن الجمل يخزّن الماء في مكان خفي داخل جوفه، ثم يعيد شربه عند العطش. لكن بعد زيارتي لمتحف الإبل في المهرجان، تبدّدت تلك الأسطورة أمام حقائق علمية مذهلة.

أول ما تعلّمته أن السنام، الذي يعلو ظهر الجمل كبرج مهيب، ليس مخزناً للماء، بل مستودع للدهون. و«بنك الطاقة» هذا يمكّن الجمل من الاستمرار في السير أياماً طويلة حين يندر العشب أو تقل الحبوب. وعندما يستهلك هذه الدهون، تتحول عبر عملية الأيض إلى طاقة وماء داخلي، وهو ما يساعده على ترطيب جسمه دون الحاجة لشرب متكرر.

إلى جانب السنام، يملك الجمل قدرة هائلة على تنظيم الماء داخل جسمه، إذ إنه يستطيع شرب ما يصل إلى 40 لتراً من الماء في دقائق قليلة، ثم يحتفظ به في مجرى الدم، لا في تجاويف سرّية، كما تقول الخرافات. وتنساب كريات دمه البيضاوية الشكل بسهولة حتى لو زادت لزوجة الدم بسبب العطش، مما يمنع انسداد الأوعية ويحافظ على تدفق الحياة داخله.

الأكثر إدهاشاً هو ما يُعرف بقدرة الإبل على «ترميز اليوريا» داخل المثانة. وحين يشتد الجفاف، تعيد الإبل امتصاص جزء من الماء الموجود في البول، بينما تترك الفضلات مركّزة في أقل حجم ممكن. ولهذا يكون بولها غاية في الكثافة، مما يسمح بالاحتفاظ بكل قطرة ثمينة، ويجعلها قادرة على العيش بلا ماء لفترة قد تصل إلى أسبوعين في ظروف الصحراء القاسية.

قد يهمك أيضًا: «التحكيم الرياضي» يؤكد هبوط الوحدة برفض احتجاج «حافلة النصر الشهيرة»

مع هذه المزايا، يصبح لقب «سفينة الصحراء» أكثر من مجرد استعارة شاعرية. فكما تخترق السفينة المحيط، يشق الجمل الصحارى القاحلة مستعيناً بسنامه ودمه ومثانته التي تعمل كنظام ترشيح متنقل. ولقرون، كان الجمل رفيق القوافل والتجارة والحياة البدوية، وجسر وصلٍ بين الواحات والمدن في العالم العربي وما وراءه.

حين تأملت مجسّماً لجمل عربي أصيل في متحف المهرجان، أدركت أن هذا الكائن ليس مجرد وسيلة نقل، بل إنه درس حي في الصبر والتكيّف واستثمار الموارد. ودراسة أسراره ليست ترفاً علمياً، بل تذكير بأن الطبيعة تمنحنا حلولاً بارعة إذا أحسنّا النظر إليها… وربما دعوة لأن نحسن إدارة مواردنا نحن أيضاً بعقل وحكمة، كما تفعل «سفينة الصحراء» منذ آلاف السنين.

وكما قال الأعشى:

كَرِيمٌ يُسَامِي النَّجْمَ في طُولِ صَبْرِهِ

إذا ما نَضَتْهُ الإبِلُ العُطْشُ في الفَلَاةِ

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات