“إنه يمارس كرة القدم مثل البلايستيشن” .. بهذه العبارة وصف أرسين فينجر مدرب أرسنال السابق، ليونيل ميسي، بعد الليلة التاريخية في ملعب كامب نو، منذ 16 عامًا في دوري أبطال أوروبا.
في تلك الليلة، لم تكن مدرجات ملعب كامب نو على موعد مع مجرد مباراة في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، بل كانت مسرحاً لولادة أحد أعظم العروض الفردية في تاريخ البطولة.
تلك الليلة ليلة نثر فيها الشاب الأرجنتيني حينذاك ليونيل ميسي، سحراً لم تفلح معه أي تكتيكات دفاعية، مسجلاً “سوبر هاتريك” أيقوني في شباك أرسنال، ولكن وراء هذا الانفجار كانت قصة مثيرة.
في موسم 2009-2010، دخل برشلونة حقبة جديدة بالتعاقد مع النجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش. كانت الفكرة مرعبة نظرياً، خاصة بعد التضحية بصامويل إيتو وكذلك ألكسندر هليب، بالإضافة لمبلغ من المال.
تلك الفكرة حملت تعقيدات تكتيكية على أرض الملعب. في الموسم السابق (2008-2009)، كان صامويل إيتو يلعب دور “الطُعم” المثالي؛ يخرج من منطقة الجزاء، يزعج المدافعين، ويفسح المجال لميسي للانطلاق نحو العمق وصناعة “الفوضى المنظمة” التي تميز بها.
هذا ما ظهر في نهائي دوري أبطال أوروبا 2009 ضد مانشستر يونايتد، عندما سجل ميسي بالرأس هدفه الأيقوني في شباك فان دير سار، وكان هدف إيتو من الجانب الأيمن.
زلاتان كان لاعباً من طينة أخرى. هو المهاجم الكلاسيكي الذي يريد الكرة في قدمه، ويرفض أن يكون مجرد مساح يمهد الطريق للآخرين. وهذا التغيير أجبر بيب جوارديولا على إعادة ميسي إلى دور الجناح التقليدي في أوقات كثيرة.
ورغم جودة زلاتان التهديفية، بدأ برشلونة يعاني جماعياً مع مطلع عام 2010، ووصل الأمر إلى صيام ميسي عن المساهمة التهديفية لثلاث مباريات متتالية في فبراير، وهو رقم نادر لأفضل لاعب في العالم حينها.
في دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا، واجه برشلونة نظيره شتوتجارت، وفي مباراة الذهاب التي انتهت 1-1، كان ميسي مطالب بأدوار دفاعية في ظل وجود إبراهيموفيتش، وقوة الظهير الأيسر لشتوتجارت حينذاك مولينارو، الذي كان مُعارًا من يوفنتوس.
في مباراة الإياب، قرر جوارديولا أن يبقي إبراهيموفيتش على مقاعد البدلاء، وبدأ بميسي في الوسط بجانب بيدرو وهنري، ليسجل ليو ثنائية من فوز برشلونة 3-1، ليذهب إلى ربع النهائي.
اقرأ ايضا: رد فعل أبو تريكة بعد خسارة منتخب مصر أمام السنغال (فيديو)
في مباراة الذهاب بملعب “الإمارات” ضد أرسنال، بدأ زلاتان أساسياً وبجانبه ميسي وبيدرو. قدم السويدي ما يُطلب منه تماماً وسجل هدفي برشلونة في المباراة التي انتهت بالتعادل (2-2). كان أداءً جيداً، لكنه كان يفتقد لتلك الشرارة المرعبة التي يخلقها ميسي عندما يقود الهجوم من العمق.
وقبل مباراة الإياب الحاسمة في كامب نو، تلقى برشلونة ضربة بدت مقلقة، وهي إصابة إبراهيموفيتش. البعض رآها انتكاسة لخطط جوارديولا، لكن الفيلسوف الإسباني أدرك أنها اللحظة المثالية لإطلاق سلاحه الفتاك من جديد، أن يدخل ميسي للعمق.
بيدرو وبويان كريكيتش خلف ليو، بجانبهم سيدو كيتا، والأرجنتيني يفعل ما يريد في ملعب كامب نو، وهو المهاجم الوهمي للبلوجرانا.
بدأت المباراة بسيناريو صادم لأصحاب الأرض. في الدقيقة 18، سجل الدنماركي نيكلاس بيندتنر هدف التقدم لأرسنال، ليضع الفريق اللندني في المقدمة بمجموع المباراتين.
قبل لحظات من الهدف، كان معلق اللقاء عصام الشوالي يتساءل: “هل تنقذهم يا ميسي؟”.
هنا، قرر ميسي أن يأخذ الأمور على عاتقه، وفي غضون 20 دقيقة فقط، حوّل التأخر إلى تقدم كاسح بثلاثية (هاتريك) تنوعت فيها فنون كرة القدم. تسديدة صاروخية من على حدود منطقة الجزاء مزقت شباك الحارس مانويل ألمونيا، استغلال ذكي للمساحات وإنهاء هادئ بعد تمريرة بيدرو. الدقيقة 42: انطلاقة مرعبة بالكرة، وانفراد انتهى بلمسة ساقطة أسطورية فوق الحارس
دفاع أرسنال، بقيادة ميكائيل سيلفستر وتوماس فيرمايلين، بدا وكأنه يطارد شبحاً. لم يكن هناك مهاجم صريح يراقبونه، بل كان هناك طوفان بشري يتحرك في كل مكان بين خطي الوسط والدفاع.
وقبل نهاية المباراة بدقيقتين، عاد ميسي ليتلاعب بالدفاع اللندني المنهار، ويسدد كرة تصدى لها ألمونيا لترتد إليه، فيسكنها الشباك من بين قدمي الحارس، مدوناً الهدف الرابع والختامي، وكأن الكرة لا تريد سوى ميسي.
لم يكن تأثير تلك الليلة مقتصراً على النتيجة (4-1)، بل امتد إلى الحالة النفسية لخصومه.
التصريح الأيقوني الذي خلّد تلك الليلة في تاريخ الصحافة الرياضية، فجاء على لسان مدرب أرسنال التاريخي، آرسين فينجر، الذي وقف مذهولاً بعد المباراة ليقول جملته الشهيرة: “لقد خسرنا أمام فريق رائع، وأمام لاعب استثنائي. ميسي لاعب من كوكب آخر، إنه يلعب كرة القدم وكأنه في جهاز بلايستيشن، يستطيع استغلال كل خطأ وتحويله إلى هدف لا يُصدق.”

