حين يتوهّج الموهوب الفرنسي، تبدو مدريد كأنها على موعد جديد مع الخلود؛ كيليان مبابي، ذاك القادم إلى البرنابيو تحت ضوء المجرة، لا يهدأ ولا يكلّ.
في ليلةٍ هادئة على ملعب “كوليسيوم ألفونسو بيريز”، احتاج ريال مدريد إلى لحظة واحدة من عبقرية كيليان مبابي ليكسر صمود خيتافي ويستعيد صدارة الدوري الإسباني، محرزًا هدفًا في الدقيقة 80، بتمريرة ساحرة من أردا جولر.
أحد عشر مباراة متتالية من التسجيل، امتدادٌ لروحٍ لا تُقهر، ولا تعرف التراجع؛ وفي الخلف، هناك من ينسج الخيوط بصمتٍ مذهل، أردا جولر، التركي الهادئ، الذي صنع نصف المجد بتمريرة، وبنظرة واحدة قبل الانفجار.
لم يكن ما يفعله كيليان اليوم وليد لحظة عابرة، بل نتيجة لمسيرة مدروسة، تتحدث عنها الأرقام كما لو كانت نشيدًا أسطوريًا؛ من موناكو إلى باريس، ومن هناك إلى ريال مدريد، من قلب العاصمة الإسبانية، ظل الفتى الفرنسي مرادفًا للفوز، ومترادفًا مع الأهداف.
خمسمائة وخمس وثلاثون مساهمة تهديفية في 531 مباراة.. رقمٌ لا يُصدق إلا حين تراه على قميص يحمل الرقم 10، ليُبرهن على قدراته الفنية ومهاراته الإبداعية، وأنه لا ينافس أحد بل نفسه فقط، ومازال للأمر بقية.
في موسمه الأول مع ريال مدريد، بدا الفرنسي كأنه يستعيد إرث الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو، لا يقلده بل يُكمله؛ الحضور، الهيبة، اللمسة القاتلة، وحتى تلك القدرة الغامضة على تحويل الفرص الصعبة إلى لحظات خالدة.
بعد هدفه في شباك خيتافي، وصل كيليان إلى 15 هدفًا في 11 مباراة على التوالي هذا الموسم لأول مرة في مسيرته، ليصبح أول لاعب في ريال مدريد يسجل هذا العدد منذ 2014/15، عندما فعلها كريستيانو رونالدو بـ17 هدفًا.
تصفح أيضًا: تشكيل بايرن ميونخ ضد باريس سان جيرمان في كأس العالم للأندية 2025
وتمامًا مثل صاروخ ماديرا، لا يكتفي مبابي بالتسجيل — بل يصنع الإلهام داخل الملعب وخارجه.
هدفه أمام خيتافي لم يكن مجرد امتداد لسلسلة شخصية، بل بوابة دخوله إلى قائمة نادرة جدًا من نجوم ريال مدريد الذين سجلوا عشرة أهداف أو أكثر بعد أول تسع جولات في الليجا — وهي القائمة التي يتصدرها كريستيانو رونالدو بأربع مرات.
وراء هذه الأرقام المتوهجة يقف صانع هادئ، وجهه لا يصرخ بالمجد لكن تمريراته تفعل؛ جولر، الذي يبلغ من العمر 20 عامًا فقط، كان خلف سبعة من أهداف مبابي، منها خمسة هذا الموسم وحده.
بينهما تفاهم خاص، لغةٌ لا تُترجم بالكلمات، بل بالعيون، كشفها التركي في حديثه مع مجلة “الليكيب”، قائلًا: “صفاتنا منسجمة، نتفاهم جيدًا، والعلاقة بيننا سلسة. أحيانًا نتحدث قبل المباراة ونقول: يجب أن نفعل هذا أو ذاك اليوم. وأحيانًا، تكفي نظرة بسيطة”.
سبع تمريرات، سبع علامات على الكيمياء الكروية الخالصة، كل تمريرة من التركي إلى الفرنسي هي جسر بين جيلٍ صاعد وآخر يصنع مجده الآن.
بهدفه الأخير أمام خيتافي، وصل كيليان إلى 59 هدفًا بقميص ريال مدريد في 70 مباراة، متجاوزًا أسطورة مثل لويس فيجو الذي سجل 58 هدفًا في 245 مباراة.
الأرقام لا تكذب — إنها تقول ببساطة: نجم الديوك الفرنسية لا يسير في خطى كريستيانو فقط، بل يكتب فصلًا جديدًا في القصة ذاتها.
من رونالدو إلى مبابي، بخيوط ينسجها جولر، تتبدل الأسماء ويبقى القانون ذاته: في ريال مدريد، المجد لا يموت، فقط يتجدد.

