قبل عشر جولات من خط النهاية في الدوري الإنجليزي الممتاز، لا يبدو موقف توتنهام مجرد تعثر عابر في موسم صعب، بل اختبارًا وجوديًا لمشروعٍ كامل، الفريق الذي كان يُناقش في السنوات الأخيرة بصفته منافسًا دائمًا على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، يجد نفسه اليوم عالقًا في حسابات البقاء، متقدمًا بأربع نقاط فقط عن منطقة الهبوط، في جدول مضغوط لا يمنح رفاهية الخطأ.
المعضلة لا تكمن فقط في عدد النقاط، بل في المنحنى البياني للأداء، منذ أواخر أكتوبر عندما انتصر السبيرز على إيفرتون بثلاثية نظيفة، حصد توتنهام 12 نقطة من 19 مباراة بعدما حقق انتصارين فقط و6 تعادلات، هذا إيقاع هبوط صريح؛ ومع امتداد السلسلة السلبية إلى عشر مباريات بلا فوز، يصبح الحديث عن “ردة فعل قريبة” أقرب إلى التمني منه إلى التحليل الموضوعي.
في الأسبوع الماضي، وبعد خسارة توتنهام 4-1 على أرضه أمام أرسنال، كان إيجور تيودور يفيض بتفاؤل يكاد يقترب من الوهم، كان من الممكن أن يظن المرء، من نبرته الحماسية في المؤتمر الصحفي، أنه يمتلك الترياق السحري والشخصية القيادية اللازمة لانتشال هذا الكيان المترنح من مستنقع منطقة الهبوط.
أما هذا الأسبوع، وعقب السقوط المرير بنتيجة 2-1 أمام فولهام، فقد بدا تيودور كفارسٍ فقد درعه وسيفه؛ إذ تحولت لغة “العملية والبناء” التي استخدمها لتبرير هزيمة ديربي شمال لندن إلى تمتمات محبطة عن ضرورة “النسيان والمضي قدمًا”.
يبدو أن أسبوعًا واحدًا في كواليس تدريب توتنهام كان كفيلًا بتحطيم كبريائه الفني، وكأن النادي أصبح ثقبًا أسود يمتص طاقة كل من يقترب من مقعده الفني.
يُصنَّف تيودور كخبير في إدارة الأزمات، رجلٌ أنقذ فرقًا من ظروف أكثر قتامة من وضع توتنهام الحالي، الذي يبتعد فيه بفارق أربع نقاط فقط عن منطقة الهبوط قبل عشر جولات من النهاية، ولكن ما يثير الذعر في نفوس الجماهير هو تلك “النبرة الانهزامية” الصادمة التي تبناها فجأة.
لقد تحدث علنًا عن مشاكل، ورفض الأسئلة التكتيكية بسخرية رجل يرى سقفه يحترق بينما يُسأل عن تفاصيل ثانوية، تشخيصه كان قاسيًا: هجوم يفتقر إلى الفاعلية، وخط وسط أصيب بالشلل الحركي، ودفاع يرفض “التضحية” لمنع الأهداف.
لقد وضع إصبعه على الجرح النازف، مشيرًا إلى أن لاعبيه يفتقرون إلى “الذكاء الكروي” والشخصية المطلوبة لخوض معارك البقاء، في اتهام مباشر بالعجز الفني أمام خصم مثل فولهام عرف كيف يقرأ المباراة بذكاء أكبر.
هذا المشهد السوداوي يعيد إلى الأذهان، وبشكل يثير القشعريرة، الهجوم الانتحاري الذي شنه أنطونيو كونتي في مارس 2023، “قصة توتنهام هي عشرون عامًا من الفشل في تحقيق الألقاب رغم تغيير المدربين”، هكذا صرخ كونتي قبل رحيله بثمانية أيام.
واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر مأساوية؛ فمنذ الفوز على إيفرتون في أكتوبر، لم يحصد الفريق سوى 12 نقطة من أصل 57 ممكنة، وهي إحصائية لا تليق بنادٍ ينافس في البريميرليج، بل بفريق حسم أمره بالهبوط سلفًا.
إن العجز عن تحقيق أي فوز في آخر 10 مباريات، وتلقي أربع هزائم متتالية، هو “سقوط حر” نحو الهاوية، في ظل جدول ترتيب يزداد تقلبًا وشراسة، ليصبح ما كان مستحيلًا قبل أسابيع واقعًا مرًّا يهدد كيان النادي.
تصفح أيضًا: أمم إفريقيا طوق النجاة.. ليفركوزن يضع مستقبل إلياس بن صغير على المحك
ما يزيد من سريالية المشهد أن هذا الانهيار المحلي يتزامن مع وضع النادي بصفته “بطل الدوري الأوروبي” ومشاركًا في دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا، مفارقة تاريخية غير مسبوقة؛ كيف يمكن للنادي الذي كان أحد أعمدة “الستة الكبار”، وصاحب أفضل ملعب في إنجلترا، أن يجد نفسه في هذا الموقف المخزي؟ لعبت الإصابات دورها بلا شك، مع غياب قائمة طويلة تضم أسماءً مثل ماديسون، كولوسيفسكي، وقدوس، بالإضافة إلى إيقاف كريستيان روميرو.
لكن الأزمة تتجاوز الإصابات لتصل إلى “بناء الفريق” الهش؛ فالتشكيلة الحالية مزيج غير متجانس من مواهب شابة غير مختبرة ولاعبين فقدوا شغفهم، مما خلق فجوة قيادية عجزت الإدارات المتعاقبة عن سدها، ليصبح توتنهام ضحية لسياسة “التقشف في الرواتب” مقابل “البذخ في المنشآت”.
جزء من الأزمة يعود إلى تركيبة الفريق نفسها، عملية الإحلال بعد الجيل الذي نافس على اللقب وبلغ نهائي دوري الأبطال لم تُحسم بصورة جذرية، الاستثمار الضخم في ملعب توتنهام ستاديوم، عزز البنية التحتية، لكنه فرض قيودًا غير مباشرة على سياسة الإنفاق.
المواهب الشابة المتواجدة تحتاج إلى بيئة مستقرة لتنمو، لا إلى معركة بقاء تُحملها مسؤولية ثقيلة؛ في المقابل، بعض أصحاب الخبرة لم يستعيدوا مستواهم المعهود. النتيجة فريق بلا عمود فقري واضح، ولا قائد ميداني قادر على تغيير إيقاع المباريات في اللحظات الحرجة.
ما يجعل وضع توتنهام فريدًا في مأسويته هو هذا التناقض الصارخ الذي سيواجهه الفريق في الأسابيع القليلة القادمة؛ جدول مباريات يبدو وكأنه صُمم خصيصًا لاختبار قدرة النادي على الصمود الذهني قبل البدني، تبدأ هذه الرحلة الوعرة باستضافة كريستال بالاس، وهي مباراة لم تعد مجرد “ديربي لندني” عادي، بل تحولت إلى مواجهة “إنقاذ موسم”.
الفشل في حصد النقاط الثلاث أمام بالاس سيعني دخول الفريق نفقًا مظلمًا قبل التوجه إلى قلعة “أنفيلد” لمواجهة ليفربول، حيث التاريخ والجودة لا يرحمان فريقًا مهتزًا يبحث عن هويته المفقودة.
لكن المأساة الحقيقية تكمن في “الازدواجية” التي سيُجبر عليها تيودور ولاعبوه، فبين مباراة ليفربول وتلك المواجهات المحلية الحاسمة، يجد توتنهام نفسه مضطرًا لمنافسة أتلتيكو مدريد في ذهاب وإياب دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا.
إنها مفارقة لا تحدث إلا في روايات الدراما الرياضية؛ كيف يمكن للاعبين أن يشحنوا طاقاتهم لمواجهة كتيبة دييجو سيميوني البدنية المعقدة، بينما عقولهم مشغولة بحسابات البقاء في الدوري؟ دوري الأبطال، الذي كان يومًا ما “الجائزة الكبرى”، بات الآن “عبئًا استراتيجيًا” قد يستنزف ما تبقى من رمق في عروق اللاعبين المصابين أصلًا، مما قد يجعل التضحية بالبطولة الأوروبية خيارًا مرًا، ولكنه منطقي، للتركيز على معركة الوجود في “البريميرليغ”.
تصل ذروة هذا الضغط في المواجهة التي تسبق التوقف الدولي مباشرة أمام نوتنجهام فورست، هذه المباراة ليست مجرد صراع على النقاط، بل هي “نهائي هبوط” مبكر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فورست، الذي يلهث خلف توتنهام بفارق نقطتين فقط، يرى في “السبيرز” فريسة جريحة يمكن الانقضاض عليها لتبادل المراكز. إنها مباراة ستحدد ملامح الموسم؛ فإما أن يخرج توتنهام منها ورأسه مرفوع قبل التوقف الدولي لالتقاط الأنفاس، أو أن يجد نفسه رسميًا داخل “المثلث الأحمر” للمرة الأولى، وهو وضع سيعني انفجار الأوضاع داخليًا وتصاعد الضغوط الجماهيرية إلى مستويات غير مسبوقة.
التعامل مع هذا “المثلث” (بالاس، ليفربول، فورست)، وبينهما استنزاف أتلتيكو مدريد، يتطلب إدارة فنية عبقرية من تيودور، أي تعثر في هذه السلسلة سيعني أن توتنهام لن يذهب إلى التوقف الدولي للراحة، بل سيذهب للحداد على موسم كان يُفترض أن يكون موسم بطولات، فإذا به يتحول إلى مرثية لنادٍ ضلَّ طريقه بين بريق النجومية الأوروبية وظلام القاع الإنجليزي.



