في مشهد يعكس إجماعاً برلمانياً وشعبياً نادراً، شهدت ليبيا حراكاً متزامناً من شرق البلاد وغربها لإسقاط قرار فرض «ضريبة السلع والخدمات»؛ وبينما اتجه أعضاء من مجلس النواب في بنغازي نحو مسار «الإبطال التشريعي» للقرار، وتجريد شركات الصرافة من امتيازاتها، طالبت قوى بلدية واقتصادية في العاصمة طرابلس بوقف العمل بالضريبة فوراً.
من جلسة مجلس النواب الليبي (المجلس)
وفي غياب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، أعلن أعضاء من المجلس في ختام اجتماع تشاوري عقدوه برئاسة أكبرهم سناً، في وقت متأخر من مساء الاثنين في مدينة بنغازي (شرق)، إبطال قانون فرض الضريبة على السلع والخدمات، عادّين إياه «منعدماً للأثر القانوني».
وعقب الاجتماع غير الرسمي، الذي خُصص لمناقشة تدهور الأوضاع المعيشية وانعكاسات السياسات المالية والنقدية على المواطنين، أوضح الأعضاء أن فرض أي ضرائب أو رسوم على المبيعات، أو السلع أو الخدمات، لا يكون مشروعاً إلا إذا صدر عن السلطة التشريعية ووفق الإجراءات القانونية الصحيحة، وعدّوا أن تجاوز هذه الآليات يمثل «إخلالاً صريحاً» بمبدأ الفصل بين السلطات، ويقوض أسس الشرعية المالية للدولة.
صورة وزعتها بلدية طرابلس لاجتماع البلديات لمناقشة الضريبة مساء الاثنين
وأكد بيان للنواب أن «تعديل اللائحة الداخلية للمجلس لم يعد خياراً مؤجلاً» لضمان فاعلية العمل البرلماني، وقرروا إلغاء اعتماد شركات صرافة خاصة لبيع النقد الأجنبي، والتأكيد على أن المصارف التجارية هي الجهة الوحيدة المختصة بذلك، بالإضافة إلى الشروع في توحيد الإنفاق العام، ضمن ميزانية واحدة خاضعة لرقابة موحدة. وقالوا إن معالجة اختلالات الثقة في الجهاز المصرفي ينبغي أن تتم عبر أدوات الرقابة والإصلاح المؤسسي، لا من خلال نقل الاختصاص إلى جهات غير مصرفية، محذرين من أن أي تجاوز في هذا الشأن قد يعرّض مرتكبيه للمساءلة القانونية.
وتوقع بعض أعضاء المجلس أن يُعقد اجتماع في وقت لاحق هذا الأسبوع بمقره في بنغازي، فيما امتنع عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم المجلس، عن تأكيد أو نفي هذا الموعد.
قد يهمك أيضًا: القانون يسمح لهيئة التأمينات الاجتماعية إنشاء صندوق استثمارات عقارية
وفي تحرك موازٍ بالمنطقة الغربية، دعا بيان مشترك لعمداء بلديات طرابلس الكبرى، والمؤسسة الليبية للاستشارات الاقتصادية، وغرفة التجارة والصناعة والزراعة طرابلس، والاتحاد الوطني لعمال ليبيا، إلى إلغاء العمل بالقرار الضريبي المفروض بصورة عاجلة، من خلال تقييم قانوني واقتصادي شفاف، يوضح مبرراته وأثره المتوقع على السوق والمواطن.
خبراء يحذرون من تفاقم حالة الركود وانهيار القدرة الشرائية للمواطن الليبي (أ.ف.ب)
وبهدف حماية المواطن من موجة الغلاء بسبب فرض الضريبة الجديدة، أعلن البيان عن إطلاق حوار اقتصادي موسع، يضم ممثلين عن القطاعين العام والخاص، والخبراء المختصين وأصحاب المصلحة، لبحث بدائل عملية تدعم الاستقرار المالي دون زيادة الأعباء، بالإضافة إلى تشكيل لجنة فنية مشتركة، تضم البلديات والخبراء الماليين والاقتصاديين، والجهات ذات العلاقة للتواصل مع السلطات المختصة، ومناقشة تداعيات القرار بصورة مؤسسية.
وأوصى البيان باعتماد سياسات تحفيزية بديلة، تركز على دعم الإنتاج المحلي وتحسين بيئة الأعمال، بدلاً من فرض رسوم إضافية قد تؤثر سلباً على النمو.
وناقش الاجتماع القرار الأخير المتعلق بفرض ضريبة جديدة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل حالة الركود التي تعاني منها السوق المحلية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، كما شدد على أن أي إجراءات مالية ذات أثر عام يجب أن تصدر وفق الأطر التشريعية المختصة.
وحذر المجتمعون من أن تحميل المواطنين أعباء إضافية في هذا التوقيت قد يؤدي إلى مزيد من التضخم، ويُضعف تنافسية السوق، ويُعمّق حالة الركود، وهو ما يستدعي التريث وإعادة النظر في مثل هذه القرارات.
ولفت الاجتماع إلى ما وصفه بـ«التحديات الاقتصادية المتصاعدة»، التي تمر بها البلاد، وما صاحبها من تراجع في قيمة الدينار، وارتفاع ملحوظ في الأسعار وتزايد الضغوط على معيشة المواطنين.
وبحسب مراقبين، فإن هذا التزامن بين الحراك البرلماني في الشرق والضغط المدني في الغرب يضع السياسات النقدية والمالية الحالية أمام اختبار حقيقي، وسط تحذيرات من تفاقم حالة الركود، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن الليبي.



