تعيش الأوساط الرياضية حالة من الترقب والقلق البالغين إزاء تراجع مستويات المنتخب الوطني الأول لكرة القدم، وسط تساؤلات مشروعة حول مستقبل هيرفي رينارد على رأس القيادة الفنية، خاصة بعد توالي النتائج السلبية التي عصفت بثقة الجماهير في قدرة هذا المشروع على النجاح في المحافل الدولية.
وتمر الكتيبة الخضراء بفترة عصيبة ومعقدة للغاية تحت قيادة المدرب الفرنسي، حيث غابت الهوية التكتيكية المعتادة وتراجعت الروح القتالية، مما انعكس سلباً على الأداء العام داخل المستطيل الأخضر، وجعل مسألة التغيير الفني حديث الساعة في الشارع الرياضي.
وجاءت فترة التوقف الدولي لشهر مارس الجاري من عام 2026 لتزيد من حدة الأزمة وتضع الطاقم التدريبي في موقف لا يحسد عليه، حيث تكبد منتخب السعودية هزائم قاسية فتحت أبواب النقد على مصراعيها، وأعادت تسليط الضوء على الأخطاء المتكررة التي لم تجد طريقاً للحل حتى الآن.
وتجرع الفريق الوطني خسارة قاسية ومدوية على أرضه ووسط جماهيره أمام ضيفه المنتخب المصري، حيث اهتزت الشباك بأربعة أهداف نظيفة دون رد، في نتيجة كارثية كشفت عن هشاشة دفاعية واضحة وعقم هجومي استدعى تدخلاً عاجلاً لإصلاح الخلل قبل فوات الأوان.
ولم يتوقف النزيف النقطي والمعنوي عند هذا الحد، بل تواصل الإخفاق في المواجهة الودية الثانية خلال التوقف ذاته، ليتلقى الأخضر خسارة جديدة أمام منتخب صربيا بهدفين مقابل هدف واحد، لتكتمل صورة المعسكر المخيب للآمال والذي زاد من حجم الضغوط الملقاة على عاتق الإدارة.
لم تكن هذه الهزائم الأخيرة سوى حلقة جديدة في سلسلة من التخبطات التي رافقت المدير الفني في فترته الثانية مع الفريق الوطني، والتي اتسمت بتذبذب واضح في المستوى وفقدان البوصلة التي ميزت ظهوره الأول، مما جعل مسار الاستحقاقات محفوفاً بالمخاطر.
وظهرت بوادر هذه الأزمة الفنية بوضوح خلال التصفيات المؤهلة إلى العرس الكروي العالمي 2026، حيث عانى الفريق الأمرين وتجاوز المحطات التأهيلية بصعوبة بالغة، متأثراً بتراجع ملحوظ في المردود البدني والذهني للاعبين مقارنة بالتصفيات السابقة.
وتعمقت الجراح الفنية بشكل أكبر خلال منافسات بطولة كأس العرب التي أقيمت في عام 2025، حيث كانت الآمال معقودة على معانقة اللقب وتأكيد الجدارة الإقليمية، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن السعودية، ليتلقى الطاقم الفني ضربة موجعة أثرت على أسهمه.
وتمثلت الصدمة العربية في الخروج المرير من الدور نصف النهائي للبطولة الإقليمية على يد منتخب الأردن، في مفاجأة مدوية أطاحت بأحلام الجماهير وكشفت عن عجز تكتيكي في إدارة المباريات الإقصائية الحاسمة، مما ضاعف من حجم الانتقادات الموجهة للمسؤول الأول عن الفريق.
تصفح أيضًا: سخرية وثقة.. إنريكي يقلل من تأثير تصريحات ديمبيلي قبل مواجهة موناكو
ودفعت هذه النتائج المخيبة توالياً الشارع الرياضي والنقاد للمطالبة بضرورة إحداث صدمة إيجابية وإقالة الخبير التكتيكي من منصبه، ورغم الانتشار الواسع لتقارير إعلامية أكدت اتخاذ قرار الإطاحة به، إلا أن الاتحاد السعودي لكرة القدم التزم بموقفه الداعم رافضاً فكرة الإقالة.
يُعزي الكثير من المتابعين هذا التمسك الإداري بالاستقرار الفني إلى عامل جوهري وحيد، وهو أن الأزمة الحالية وقرار البقاء لا يتعلقان مطلقاً بالبحث عن أسماء مدربين جدد على الساحة، بل يخضع الأمر برمته لضيق الوقت وحساسية المرحلة الراهنة.
ويعد هذا العامل الزمني العائق الأكبر أمام أي قرار إداري بإنهاء التعاقد، حيث تزداد الأمور تعقيداً بسبب تبقي شهرين تقريباً على انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في الصيف المقبل، مما يجعل من فكرة جلب جهاز فني جديد مغامرة غير محسوبة العواقب.
وفي خضم هذه الأزمة، تعالت بعض الأصوات التي رشحت أسماء فنية وطنية، وأخرى تقود أندية الدوري السعودي حالياً، لتولي المهمة ولو بشكل مؤقت، معتمدة في ذلك على معرفتهم العميقة بخبايا الكرة السعودية وقربهم من مستويات اللاعبين.
ورغم وجاهة هذه الاقتراحات نظرياً، إلا أن هذه الحلول تعتبر غير مناسبة ومرفوضة عملياً، نظراً لارتباط هؤلاء المدربين بعقود رسمية مع أنديتهم التي تنافس بشراسة على البطولات القوية والمحلية في الرمق الأخير من الموسم، مما يجعل مسألة التفريط بهم أمراً مستحيلاً.
هنا يبرز التساؤل الافتراضي الأهم الذي يطرح نفسه بقوة على الساحة الرياضية، والذي يدور حول ما إذا كانت الروزنامة الدولية تشير إلى إقامة المونديال في عام 2027 بدلاً من الصيف المقبل، فهل كانت الإدارة ستتخذ نفس الموقف الداعم أم أن قرار الإبعاد كان سيسبق الجميع؟
من الناحية المنطقية والقراءة التحليلية للمشهد، يبدو أن توفر متسع من الوقت لمدة عام إضافي كان سيشجع مسؤولي الاتحاد حتماً على الرضوخ للمطالبات الجماهيرية وإحداث التغيير المنشود، لبدء مشروع جديد مع جهاز فني مختلف يمتلك المساحة الكافية لتصحيح الأخطاء واختيار العناصر المناسبة.
ولكن أمام لغة الواقع والمنطق وانعدام الخيارات البديلة المتاحة، تبدو الحلول المطروحة للتغيير جميعها مرفوضة، لتصبح مسألة استمرار قائد الدفة الفنية الحالي حتى نهاية عقده في عام 2027 هي الخيار الإجباري والوحيد لضمان الحد الأدنى من الاستقرار قبل خوض غمار المونديال.
في نهاية المطاف، يمكن الجزم بأن التقويم الزمني كان الحليف الأبرز للمدرب الفرنسي، حيث شكلت الأشهر القليلة المتبقية درعاً واقياً منحه فرصة أخيرة لتصحيح المسار، ليبقى السؤال معلقاً حول قدرته على استغلال هذا الطوق للنجاة وتقديم وجه مشرف في المحفل العالمي، أم أن الهزائم الأخيرة كانت مجرد إنذار مبكر لانهيار مرتقب في النهائيات.

