منذ بداية مشروع الذكاء الاصطناعي، كان الهدف الظاهر هو محاكاة الذكاء البشري، أو على الأقل تقليد بعض مظاهره من استنتاج وتصنيف وتفاعل. لكن ما برز بوضوح مع التقدم العلمي والتقني هو أن شيئاً ما جوهرياً لا يزال مفقوداً. لقد بات بإمكان الكمبيوتر أن يلعب الشطرنج، ويقود السيارات، ويحلّ مسائل رياضية معقدة، بل ويقلد نبرات صوتنا، ويحاكي أساليب كتابتنا… ومع ذلك، فهو لا يفهم.
وهنا يظهر سؤال جوهري: ما الذي ينقص الكمبيوتر لكي يفهم؟ الجواب يكمن في ما يسميه هايدغر «الوجود في العالم».
يرى هايدغر أن الفهم الإنساني ليس فعلاً ذهنياً صرفاً، ولا عملية حسابية قائمة على تمثيلات ذهنية داخلية، بل هو انكشاف للعالم من داخل اندماجنا العملي فيه. نحن لا نلاحظ العالم بوصفنا مراقبين خارجيين، بل نحن دوماً جزء منه، نتحرك فيه، نعيش داخله، ونفهم الكائنات بما لها من صلة بممارساتنا وأهدافنا وماضينا. ولهذا، فإن الفهم لا يمكن فصله عن الخلفية الحية التي ينبثق منها.
هنا تظهر إحدى أعقد مشكلات الذكاء الاصطناعي: مشكلة الإطار (Frame Problem). هذه المشكلة تتعلق بعجز الكمبيوتر عن معرفة ما الذي ينبغي أن يأخذه في الاعتبار، وما الذي يمكنه تجاهله في موقف معين. فعندما يدخل الإنسان إلى غرفة، يعرف فوراً أن عليه ألا يهدم الحائط، وأن الطاولة لا تُؤكل، وأن الباب يُفتح ولا يُكسر. هذه المعرفة ليست نتيجة تفكير، بل هي بديهية ناتجة عن حياة كاملة من الممارسة والانغماس. هذه هي ما يسمى الخلفية. أما الكمبيوتر، فيحتاج إلى تعليم كل احتمال وكل حالة على حدة، ولن يكون قادراً على التنبؤ أو التصرف إلا ضمن ما بُرمج عليه.
تصفح أيضًا: أولى معارك مونديال الأندية… الدوري السعودي يهزم البريميرليغ
هذه الخلفية البديهية هي ما يجعل الإنسان قادراً على رؤية المعنى في الأشياء. فالكائن، أي كائن، لا يظهر لنا في فراغ، بل داخل سياق غني بالعلاقات، والإمكانات، وبما يُتوقَّع منه. نحن لا نرى كرسياً، بل شيئاً للجلوس. ولا نرى باباً، بل مخرجاً ممكناً قد نحتاجه للهرب. وهذه الدلالات لا تُستنتج، بل تُعاش. ولهذا، فإن محاولة برمجة الكمبيوتر ليمتلك كل هذه الشبكة من المعاني تفشل دوماً.
لقد حاول بعض علماء الذكاء الاصطناعي، مثل تيري وينوغر، الالتفاف على هذا الإشكال من خلال تقييد الزمن المتاح للآلة كي تفكر أو تبحث في قاعدة بياناتها، بحيث تستدعي فقط ما يرتبط بما يسمى السياق الجاري. لكن سرعان ما ظهر أن هذا السياق لا يُحدَّد وفقاً لما يمكن التفكير فيه ضمن لحظة زمنية قصيرة، بل يتشكل من مجمل حياة الإنسان، من ماضيه، ومن وجهته التالية؛ أي الامتداد الزمني للوجود.
الإنسان لا يوجد في لحظة معزولة، بل في انسياب دائم من الأوضاع، يسبقها تاريخه وتُنظمها وجهته. إنه يتحرك بفضل الاستعداد الذي بنته سنوات من الممارسة، والذي يحدد له دون تفكير ما هو مناسب، وما هو متاح، وما هو المطلوب. أما الكمبيوتر، فيواجه كل حالة بوصفها جديدة تماماً، ولا يمتلك من ذاته ما يسعفه في فهم ما هو ذو صلة، وما هو ليس كذلك. ولهذا، فإن مشكلة السياق تبقى عائقاً أمام أي ذكاء آلي يدّعي الفهم.
الفهم الحقيقي، كما يبيّنه هايدغر، لا يتم من خلال جمع المعلومات، بل من خلال وجود مسبق في عالم مكشوف، عالم يُمنَح فيه المعنى عبر الممارسة اليومية والاندماج العملي. ولهذا، فإن الفهم ليس تمثيلاً، بل انكشاف. والكمبيوتر، مهما زُوِّد بالمعلومات، يظل عاجزاً عن أن يكون موجوداً في العالم، عاجزاً عن أن يرى العالم كما يُرى من الداخل.


