السبت, مارس 14, 2026
الرئيسيةالاخبار العاجلةمخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

تتجه الأزمة داخل السلطة القضائية الليبية إلى مزيد من التعقيد، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، بشأن انتداب وإقالة القضاة، ما يفاقم المخاوف من انقسام المؤسسة، ويعكس اتساع الخلاف داخل أعلى هرم قضائي في البلاد.

ويأتي هذا التطور في بلد لا يزال يعيش انقساماً سياسياً منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وسط تحذيرات قانونيين من أن هذا التطور لم يعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير حكم أو حدود اختصاص، بل أصبح وفق رؤية أستاذ القانون العام الليبي، مجدي الشعباني، أقرب إلى «واقع مؤسسي جديد فرض نفسه داخل السلطة القضائية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الانقسام «لم يعد نظرياً أو محتملاً، بل بات ينعكس عملياً على عمل بعض الهيئات القضائية».

قضاة ليبيون مع رئيس أحد السلطتين المتنازعتين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس الأربعاء (حساب المجلس على «فيسبوك»)

وتصاعد الجدل خلال اليومين الأخيرين، بعد صدور سلسلة قرارات عن المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، برئاسة المستشار عبد الله أبو رزيزة، تقضي بنقل وندب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي، المستشار مفتاح القوي، الذي جرى نقله للعمل في إدارة المحاماة بإحدى محاكم شرق البلاد.

وفي خطوة حملت رسالة رمزية على استمرار عمل المجلس في طرابلس، تسلم عدد من خريجي المعهد العالي للقضاء مهام عملهم، بعد أداء اليمين القانونية أمام أبو رزيزة في مقر المجلس الأعلى للقضاء بالعاصمة.

في المقابل، ردّ المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي برفض قاطع لما وصفه بصدور قرارات وبيانات «منتحلة لصفته»، تتعلق بنقل وندب أعضاء في السلطة القضائية، مؤكداً في بيان رسمي أن تلك القرارات «منعدمة الأثر القانوني». كما أعلن إصدار قرار بتعيين عشرات الملتحقين الجدد بالهيئات القضائية.

اجتماع لأحد المجلسين المتنازعين على المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي الأحد الماضي (حساب المجلس الرسمي في «فيسبوك»)

وأثار هذا السجال قلقاً داخل الأوساط القضائية، إذ وصف القاضي الليبي المستشار حيدر العائب الوضع القائم بأنه «ازدواج في المرجعية العليا داخل السلطة القضائية»، محذراً في منشور عبر «الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية» من أن هذا الانقسام «الخطير» قد يمس بنية العدالة، ويضعف ثقة المجتمع في مؤسساته.

وفي السياق ذاته، حذّرت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية في ليبيا من أن هذا الانقسام غير المسبوق «يهدد استقلال القضاء، وقد يطال وجوده نفسه»، مؤكدة أن الأولوية «باتت الحفاظ على بقاء المؤسسة القضائية ومنع انهيارها».

تصفح أيضًا: المنتدى الاقتصادي الأردني يناقش مستقبل العقبة ومسارات تحديثها التنموي

ويرى الشعباني أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز مسألة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء لتطال شرعية منظومة التقاضي بأكملها. وقال إن وجود مرجعيات متوازية لإدارة الهيئات القضائية «قد يؤدي إلى تضارب في القرارات الإدارية والتنظيمية، بما يهدد استقرار المراكز القانونية ويقوض ثقة المواطنين في العدالة»، مشدداً على أن «القضاء يمثل آخر مؤسسات الدولة التي يمكن أن تتحمل الانقسام».

ويأتي هذا التصعيد على خلفية نزاع قانوني أعاد إلى الواجهة الجدل حول شرعية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بعدما قضت المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب الليبي على قانون النظام القضائي، وهو حكم فتح نقاشاً واسعاً حول الأساس القانوني للمجلس وصلاحياته.

وتفاقمت الأزمة في 18 فبراير (شباط) الماضي مع تصاعد الخلاف حول تنفيذ الحكم القضائي، قبل أن يعلن المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة المستشار مفتاح القوي، نقل إدارة القانون مؤقتاً إلى بنغازي بسبب ما وصفه بـ«القوة القاهرة».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

يأتي ذلك في ظل استمرار الانقسام السياسي في ليبيا بين حكومتين متنافستين: حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة مكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويثير تساؤلات حول فرص احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى واقع دائم داخل المؤسسة القضائية.

ومن منظور الشعباني فإن «الأزمة في الحالة الليبية تجاوزت الإطار التقليدي، إذ باتت أزمة مؤسسية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الواقع السياسي»، موضحاً أن «معالجة الأزمات القضائية في الظروف العادية تتم عبر مسارين متكاملين: قضائي لحسم النزاعات القانونية، وتشريعي لإصلاح النصوص التي تكشف الأزمات عن قصورها».

وقال الشعباني إن «البداية الطبيعية للحل في ليبيا تكون بحسم قضائي، يعيد وضوح المرجعية داخل المؤسسة القضائية، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم لها»، منتهياً إلى أن «أي معالجة حقيقية ستظل بحاجة إلى حد أدنى من التوافق السياسي لتحييد القضاء عن الصراع، لأن انقسامه قد ينعكس في نهاية المطاف على وحدة الدولة القانونية واستقرار مؤسساتها».

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من خطورة النزاع داخل القضاء الليبي، مؤكدة أن المؤسسة القضائية تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة، وأن أي انقسام في بنيتها قد ينعكس على مختلف جوانب الحياة في البلاد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات