يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى على “الأتزوري”؛ فبينما لم يستفق الشارع الرياضي الإيطالي بعد من صدمة الغياب الثالث على التوالي عن نهائيات كأس العالم 2026، ظهر كابوس جديد يهدد ما تبقى من كبرياء الكرة الإيطالية؛ فبعد الخروج المرير أمام البوسنة في الملحق، باتت إيطاليا الآن مهددة بفقدان حق استضافة كأس الأمم الأوروبية “يورو 2032” لصالح شريكتها في الملف، تركيا.
الأزمة ليست فنية هذه المرة، بل هي “أزمة طوب وأسمنت” وبيروقراطية قاتلة؛ فبينما قطعت تركيا أشواطاً هائلة في تحديث بنيتها التحتية بملاعب عالمية، لا تزال إيطاليا تعيش على أطلال “الليالي السحرية” لمونديال 1990، والفجوة أصبحت شاسعة لدرجة أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بدأ يفقد صبره، محذراً من أن البطولة قد تُقام في بلد واحد فقط إذا لم تتحرك الماكينات الإيطالية فوراً.
إيطاليا حالياً في وضع “رجل أوروبا المريض” من حيث المنشآت؛ فمن بين الملاعب المطلوبة، لا يوجد سوى ملعب “أليانز ستاديوم” الخاص بنادي يوفنتوس الذي يلبي المعايير العالمية بالكامل، أما بقية المشاريع الكبرى لأندية ميلان، وإنتر، وروما، ولاتسيو، فلا تزال مجرد رسومات على الورق، تصارع في دهاليز المكاتب الحكومية بانتظار “المعجزة” التي تضع حجر الأساس الأول.
الحقيقة المرة التي تواجهها إيطاليا هي أن الوقت لم يعد في صالحها؛ فرئيس الاتحاد الأوروبي، ألكسندر تشيفرين، لم يتأخر في توجيه لدغة قوية للمسؤولين الطليان قائلاً: “تمتلكون واحدة من أسوأ البنى التحتية الكروية في أوروبا.. إذا لم تكن الملاعب جاهزة، فلن تُقام البطولة في إيطاليا”.
وهذا التصريح جاء بمثابة “رصاصة رحمة” على الوعود الشفهية، حيث يشترط اليويفا وجود 5 ملاعب بمواصفات خاصة، بينما تملك إيطاليا ملعباً واحداً جاهزاً تقريباً.
قد يهمك أيضًا: صفقة الـ400 مليون.. برشلونة يرد على عرض الهلال الخرافي لضم يامال
وحتى الأندية التي تملك ملاعبها الخاصة مثل أتالانتا وساسولو وأودينيزي، لا تكفي سعتها الجماهيرية أو مواقعها لتغطية احتياجات البطولة الكبرى، والمشكلة الحقيقية تكمن في العاصمة روما ومدينة ميلانو؛ حيث لا تزال مشاريع “سان سيرو” الجديد وستاد “بييتالاتا” غارقة في التعقيدات الإدارية والمالية.
الفيدرالية الإيطالية (FIGC) تأمل في الحصول على دعم حكومي ضخم، يتركز حول تخصيص نسبة من عوائد المراهنات الرياضية (حوالي 200 مليون يورو سنوياً) لتمويل هذه الإصلاحات، لكن الحكومة لا تزال تدرس “الجدوى” بينما العالم يتجاوزها.
الجدول الزمني الآن يضغط على الجميع كالسكين؛ فبحلول يوليو القادم، يجب على البلديات تقديم الوثائق التي تثبت تقدماً فعلياً في الأشغال، على أن يبدأ البناء الفعلي في مارس 2027 كحد أقصى، إنها سباق مع الزمن في بلد يشتهر بأن بناء “كشك” فيه قد يستغرق عقداً من الزمان، مما يجعل حلم استضافة اليورو مهدداً بالتبخر تماماً إذا استمرت سياسة “الانتظار والترقب”.
في محاولة أخيرة لتفادي الكارثة، أعلن وزير الرياضة الإيطالي أندريا أبودي عن تعيين المهندس ماسيمو سيسا كمفوض خاص للإشراف على بناء الملاعب الضرورية ليورو 2032.
وهذه الخطوة تهدف إلى تجاوز الروتين الحكومي وتجهيز الملاعب الخمسة المطلوبة في الموعد المحدد، والمهمة تبدو “انتحارية” بالنظر إلى حجم العمل المطلوب، لكن الطليان يأملون في أن تكون هذه هي “الصافرة الأخيرة” التي توقظ الجميع من غفوتهم، فإما ملاعب تليق بتاريخ إيطاليا، أو مشاهدة الأتزوري وهو يلعب اليورو على ملاعب الأتراك.

