في تطور استثنائي يلامس الحاجة اليومية لملايين السوريين، شهدت العاصمة دمشق لقاءً تاريخيًا بين مسؤولين سوريين وسعوديين، توّج بتوقيع سلسلة من الاتفاقيات التي تستهدف إنقاذ قطاع الطاقة السوري من حالة الانهيار التي عاناها لسنوات.
فقد عقد معالي وزير الطاقة السوري، المهندس محمد البشير، اجتماعًا موسعًا مع وكيل وزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية لشؤون الطاقة المتجددة، السيد عبد العزيز بن خالد اليوسف، والوفد المرافق له، وناقش الجانبان خلال اللقاء آفاق التعاون الثنائي في مجال الطاقة وسبل تطويره، في خطوة عملية تعكس عمق العلاقات المتجددة بين البلدين.
كشف المهندس خالد أبو دي، مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سوريَة، عن توقيع مذكرتي تفاهم مع شركتين سعوديتين، بالإضافة إلى اتفاقية مع شركة STE السورية – التركية، موضحًا في تصريحات صحفية أن هذه الاتفاقيات ستسهم في تحقيق قدرة إنتاجية تصل إلى 600 ميجاواط.
وأضاف: “ينعكس ذلك سوف إيجابًا على زيادة الطاقة الكهربائية المنتجة، ولكن نحتاج إلى مدة زمنية لكي نرى النتائج وهي تقدر بسنة ونصف السنة إلى سنتين حسب انتهاء مدة إنجاز كل مشروع”.
في قلب هذه الاتفاقيات، تبرز مشاريع الطاقة المتجددة المباشرة التي تُسرّع من وتيرة التعافي. فقد وقّعت شركة محمد الحرفي للمقاولات السعودية، مذكرتي تفاهم ملزمتين مع الجانب السوري، بحسب ما أوضحه ممثل الشركة إبراهيم الأمين، لإنشاء محطتين لإنتاج الطاقة المتجددة، الأولى للطاقة الشمسية والثانية لطاقة الرياح، بقدرة تبلغ 200 ميجاواط لكل محطة، في منطقة وديان الربيع بريف دمشق.
وأكد الأمين أن هذه المحطات ستسهم في تغذية العاصمة والمناطق المحيطة بها بالكهرباء، في خطوة تُعدّ من أكبر الاستثمارات الخليجية في قطاع الطاقة السوري حتى الآن.
كما وقعت شركة (STE السورية – التركية) اتفاقية مع وزارة الطاقة السورية لبيع الطاقة الكهربائية بقدرة تبلغ 100 ميجاواط. وأوضح ممثل الشركة يحيى تلجبيني أن المشروع، الذي يعتمد على الطاقة الشمسية، سينفَّذ في محافظة حمص خلال فترة لا تتجاوز 18 شهرًا، مشيرًا إلى أنه سيغذي المحافظة والمناطق المجاورة وفق خطط الوزارة.
وفي السياق ذاته، أبرمت شركة “سكلكو” السعودية مذكرة تفاهم لإنشاء محطة طاقة شمسية في منطقة دير علي بريف دمشق، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة بحلول العام القادم، وفق ما ذكر المدير العام للشركة محمود المغربي، الذي أكد أن المشروع يأتي ضمن الجهود المشتركة لتعزيز أمن الطاقة في البلاد ودعم التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
تصفح أيضًا: ترامب يطالب بإقالة الرئيس التنفيذي لإنتل بسبب “علاقته بالصين”
لم يكن الاجتماع الأخير في دمشق حدثًا معزولًا، بل جاء امتدادًا لمجموعة من الاتفاقيات التاريخية، التي وُقعت في شهر أغسطس الماضي على هامش معرض دمشق الدولي. ففي ذلك الشهر، وبإشراف مباشر من وزارة الطاقة السعودية، وُقعت اتفاقية واحدة وست مذكرات تفاهم بين سوريَة والمملكة، شكلت الأساس المتين للتعاون الجاري في مختلف مجالات الطاقة.
وكانت شركة أكواباور السعودية في مقدمة الشركات الموقعة ضمن اتفاقيات أغسطس، إذ وضعت حجر الأساس لمشاريع عملاقة تتجاوز الحلول الجزئية. وقد هدفت الاتفاقية مع وزارة الطاقة السورية إلى إجراء الدراسات اللازمة لإنشاء إنشاء محطات لاستغلال الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين، بطاقة تصل إلى 1000 ميجاواط، بالإضافة إلى محطات لطاقة الرياح بطاقة إنتاجية تبلغ 1500 ميجاواط.
علاوة على ذلك ، اشتملت الاتفاقية على تقييم شامل للمحطات الكهربائية القائمة ضمن الشبكة السورية، وتقديم العروض الفنية لإعادة تأهيلها وتطويرها فضلًا عن إعداد دراسة شاملة لاستقرار الشبكة الكهربائية وتحديد مزيج الطاقة الأمثل لتوليد الكهرباء في سوريَة، بما يتماشى مع أهداف التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، مما يؤكد أن الرؤية السعودية تتجاوز التوريد إلى إعادة هيكلة القطاع برمته.
إلى جانب اتفاقية أكواباور، وُقعت ست مذكرات تفاهم بين شركات سعودية ووزارة الطاقة السورية، شملت مجالات عدة، من أبرزها:
تأتي هذه الحزمة المتكاملة من الاتفاقيات – سواء تلك الموقعة في أغسطس أو أكتوبر الحالي – في إطار ما تشهده العلاقة الوطيدة بين البلدين من نمو وتصاعد خلال الفترة القريبة الماضية.
وهي تعكس التطور الطبيعي للعلاقات الثنائية بعد توقيع مذكرة التفاهم للتعاون في مجال الطاقة بين حكومتي البلدين، التي تشمل تشجيع التعاون في مجالات البترول والغاز، والبتروكيميائيات، والكهرباء والربط الكهربائي، والطاقة المتجددة.
تمثل هذه الاتفاقيات نقلة نوعية في قطاع الطاقة السوري، إذ تجمع بين الحلول الفورية المتوسطة المدى (مشاريع أكتوبر التي سوف تُنفذ خلال 18 – 24 شهرًا ) والدراسات الإستراتيجية الطويلة المدى (اتفاقيات أغسطس) التي تمهد لمشاريع عملاقة في المستقبل.
كما تشكل هذه الخطوة انعطافة تاريخية في سياسة الطاقة السورية، التي انتقلت من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الحلول الجذرية، مستفيدة من الخبرات السعودية الرائدة في مجال الطاقة المتجددة والتحول الرقمي.
وبالنسبة للمواطن السوري الذي عانى لسنوات كثيرة من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، تمثل هذه الاتفاقيات أخبارًا سارةً تبعث على الأمل، إذ ستؤدي هذه المشاريع عند اكتمالها إلى تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء، وتوفير الطاقة للمنازل والمنشآت الحيوية، ودعم عجلة الاقتصاد الوطني الذي يعتمد بشكل أساسي على قطاع الطاقة.


