حين تتحدث فايزة العماري، لا تتحدث كأمٍ فقط، بل كمدربةٍ نفسية صنعت أحد أقوى العقول في كرة القدم الحديثة، كل تصريحٍ لها يُشبه نافذة تُفتح على عالم كيليان مبابي الداخلي، ذلك العالم الذي يبدو محصنًا من الانهيار، من الغرور، ومن ضجيج النجومية.
ليست الحصانة هنا درعًا من النقد أو الهجوم، بل هي تربية عقلية وشعورية خلقت لاعبًا يعرف كيف ينهض بعد كل سقطة، وكيف يُدير معاركه داخل الملعب وخارجه دون أن يخسر اتزانه.
في المقابل، حين تنظر إلى البرازيلي فينيسيوس جونيور، تلمح الوجه الآخر من المعادلة: موهبة نارية، لكن دون “نظام تشغيل”، حيث تغلب الفوضى على ردة فعله، والانفعال على الوعي.
وبين مبابي وفينيسيوس، هناك أمّ فرنسية من أصل جزائري اسمها فايزة، استطاعت أن تزرع ما عجزت البيئة عن منحه.
في أحدث حواراتها، تحدثت فايزة العماري عن الجانب الإنساني في حياة ابنها، وكشفت أنه رغم كل الأضواء التي تحيط به، لا يزال كيليان يعاني من صعوبة إيجاد “حياة طبيعية”.
قالتها بصراحة: “أتمنى أن يجد الفتاة المناسبة، لكنه يرد دائمًا: صديقة؟ في وسط كل هذه الفوضى؟”، جملة تختصر فلسفة كيليان في التعامل مع شهرته؛ رفض الانجرار خلف المشهد العاطفي المفتوح الذي وقع فيه كثير من النجوم، وخصوصًا فينيسيوس الذي كثيرًا ما تحوّل اهتمامه خارج الميدان إلى مادةٍ للجدل أكثر من الإلهام.
في حين أن كيليان مبابي نجح في أن يتعلّم أن السيطرة على العاطفة نوعٌ من الذكاء، وأن الصمت في بعض المواقف بطولة بحد ذاته.
في أكتوبر 2024، واجه مبابي اختبارًا صعبًا حين انتشرت مزاعم حول تورطه في قضية اغتصاب خلال رحلة إلى ستوكهولم، لكن القضية أُغلقت سريعًا لعدم كفاية الأدلة، لتتحول من أزمة محتملة إلى درسٍ في إدارة الصدمات.
قد يهمك أيضًا: عقدة الدون.. الأهلي يطارد حلم الفوز الأول على رونالدو
بينما كان آخرون سيغرقون في دوامة الدفاع أو التبرير، اختار مبابي أن يلتزم الصمت، وأن يدع الحقائق تتكلم، لكن كالعادة كانت فايزة هناك، خلف الكواليس، تُدير المشهد بعقل الأم وخبرة الوكيلة، وتمنع الانهيار النفسي الذي غالبًا ما يلتهم اللاعبين الشباب حين تضربهم الشائعات.
مع وصوله إلى ريال مدريد في موسم 2024-2025، واجه مبابي بدايةً مرتبكة.. الضغوط، التكتيكات الجديدة، والجدل حول علاقته بأنشيلوتي كلها عناصر هددت صورته.
لكن تحت إشراف فايزة، التي لم تكتفِ بإدارة عقوده بل أصبحت مستشارته الشخصية، تعامل مع المرحلة بعقلٍ باردٍ وروحٍ مقاتلة، النتيجة؟ 44 هدفًا في 59 مباراة، وصناعة خمسة أهداف أخرى، رغم أنه لم يكن في “أفضل حالاته”.
تلك المرونة النفسية التي تجعله يقف بعد كل سقوط، هي ما تميّزه عن فينيسيوس الذي كلما تلقى صفيرًا في المدرجات، احترق داخليًا بدل أن يشتعل طموحًا.
اليوم، مع انطلاق موسم 2025-2026، يعيش مبابي لحظته الأجمل، حتى الآن، سجّل 14 هدفًا وصنع اثنين خلال عشر مباريات فقط في الدوري الإسباني ودوري الأبطال، وكأنه يقول للعالم، أنا تعلمت كيف أوازن بين العاطفة والطموح، بين الإنسان والنجم.
ذلك الاتزان ليس وليد التدريب، بل ثمرة تربيةٍ أمّ تؤمن أن النجاح الحقيقي ليس في عدد الأهداف، بل في نوعية القرارات التي تتخذها وأنت تحت الضغط.
في النهاية، قد يملك فينيسيوس جونيور المهارة التي تُشعل المدرجات، لكن كيليان مبابي يملك العقل الذي يُطفئ النيران قبل أن تحرقه، لأن فايزة العماري لم تُعلّمه فقط كيف يسجل الأهداف، بل كيف يعيش حين يتوقف التصفيق.
ولعلّ السؤال الآن: هل يولد الأبطال من الموهبة، أم من امرأة تعرف كيف تُهندس قلوبهم؟

