سطر الفرنسي هيرفي رينارد تاريخيًا جديدًا في مسيرته التدريبية بقيادة منتخب السعودية إلى التأهل لنهائيات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، ليصبح أول مدرب في تاريخ الأخضر السعودي يحقق هذا الإنجاز في نسختين على التوالي.
تأهل رينارد رفقة منتخب السعودية للمرة الثانية على التوالي بعد مشوار صعب في مرحلة التصفيات، بعدما ترك الإيطالي روبرتو مانشيني المنتخب في وضع لا يحسد عليه نتيجة للنتائج السلبية، وابتعاده عن التأهل المباشر من دور المجموعات في المرحلة الأولى، ليدخل رينارد على الخط ويقود الأخضر في الملحق.
تسلم رينارد المهمة الصعبة مع الأخضر في 2023 ليخوض تجربة جديدة بعد رحيله لتدريب منتخب فرنسا للسيدات، إلا أنه سرعان ما عاد لقيادة المنتخب بقرار من الاتحاد السعودي لكرة القدم خلفًا للإيطالي روبرتو مانشيني.
وبالرغم من صعوبة المهمة وقلق الجماهير من تولي رينارد المهمة المعقدة في التصفيات الآسيوية، إلا أن المدرب الفرنسي كان عند حسن الظن ليكرر ما فعله في مونديال 2022 الماضي.
عودة رينارد إلى تدريب السعودية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت وفقًا لمعطيات واضحة أمام الاتحاد السعودي، حيث جعلت هذه المعطيات والمؤشرات السابقة من رينارد الخيار الأنسب لخوض هذه المرحلة.
مع رحيل مانشيني وابتعاد منتخب السعودية عن التأهل من المرحلة الأولى، كان قرار الاتحاد السعودي وقتها صائبًا بعودة رينارد، (لماذا) لأنه ببساطة رجل المرحلة فهو يعرف جيدًا لاعبي منتخب السعودية ويعرف الأجواء في المملكة بجانب علاقته الجيدة مع اللاعبين وإدارة الاتحاد، ولذلك لم يحتاج المدرب إلى فترة طويلة للتأقلم أو لاكتشاف إمكانيات الأسماء الموجودة.
إصرار الاتحاد السعودي على استعادة رينارد كان قرارًا استراتيجيًا مدفوعًا بظروف المرحلة، فالتوقيت الذي رحل فيه مانشيني، تطلب التعاقد مع مدرب لا يحتاج إلى وقت للتأقلم، ويمتلك خلفية كاملة عن المنتخب والدوري واللاعبين، ولذلك كان قرار عودته موفقًا لأنه الشخص الوحيد في هذا التوقيت القادر على تحويل المسار لخبرته الكبيرة ولمعرفته بالظروف التي يمر بها المنتخب الذي تركه منذ فترة بسيطة ثم عاد إليه من جديد.
خلال فترة مانشيني القصيرة مع المنتخب، لم يكن على قدر تطلعات الجماهير السعودية، حيث فشل في تقديم الإضافة المنتظرة، فبعد أن كانت هناك طموحات كبيرة مرتبطة بوجود مدرب ذو اسم كبير في عالم التدريب جاءت النتائج والمستوى مخيب للآمال.
تجربة مانشيني مع السعودية كانت باهتة، وانتهت بشكل محبط بإقصاء المنتخب من بطولة كأس آسيا في قطر، وهي البطولة التي شهدت لقطة مثيرة للجدل كانت بداية نهاية المدرب مع الأخضر السعودي، عندما غادر أرض الملعب قبل تنفيذ ركلة الجزاء الأخيرة أمام كوريا الجنوبية، في مشهد آثار غضب الجماهير والإعلام السعودي.
مانشيني قاد السعودية في 18 مباراة قبل رحيله، انتصر في 7 مباريات وتعادل في 5 وخسر 6 مواجهات، وكان الخروج من بطولة آسيا على يد كوريا الجنوبية هي النقطة السوداء الأبرز مع الأخضر.
سلم المدرب الإيطالي مهمة التصفيات للمدرب الجديد رينارد في وقت حرج، إذ تعادل مع إندونيسيا، وفاز بصعوبة على الصين، وخسر أمام اليابان وتعادل مع البحرين.
أصبح المدرب هيرفي رينارد ثالث مدرب فرنسي يتأهل 3 مرات إلى نهائيات كأس العالم بعدما سبقه الثنائي ديديه ديشامب مدرب المنتخب الفرنسي الحالي بالإضافة إلى مواطنه هنري ميشيل.
ولم ينجح أي مدرب فرنسي باستثناء الثالث المذكور في تحقيق هذا الإنجاز، ولكن تظل الفرصة قائمة أمام ديديه ديشامب للانفراد بالقائمة برصيد 4 مرات، وذلك في حال تأهل منتخب فرنسا إلى نهائيات كأس العالم في النسخة المقبلة 2026.
خاض رينارد المشاركة في بطولة كأس العالم مرتين من قبل بواقع مرة مع منتخب المغرب في 2018، بينما خاض المرة الثانية مع منتخب السعودية في مونديال 2022.
المشاركة الأولى كانت مع المغرب ولم ترتقي لطموحات الجماهير العربية، حيث فشل أسود الأطلس في تحقيق أي انتصار مع رينارد، خسر من إيران بهدف نظيف ومن البرتغال بنفس النتيجة فيما تعادل مع منتخب إسبانيا 2-2.
بينما كانت المشاركة الثانية مع منتخب السعودية في 2022، حقق الانتصار في مباراة واحدة كانت على حساب منتخب الأرجنتين بهدفين مقابل هدف في قمة تاريخية للأخضر السعودي، ثم خسر من بولندا بهدفين دون رد، وبعدها في الجولة الثالثة خسر من المكسيك بهدفين مقابل هدف.
نوصي بقراءة: فان دايك: ليفربول عليه التعاقد مع مهاجم جديد
أصبح رينارد أول مدرب في تاريخ منتخب السعودية ينجح في التأهل لبطولة كأس العالم مرتين، بعدما قاد الفريق في مونديال 2022 في دولة قطر ثم في 2026 بالملف المشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.
ولم يسبق رينارد أي مدرب في التأهل مرتين بمنتخب السعودية إلى كأس العالم، بالرغم من مرور أسماء كبيرة وعريقة لتدريب الأخضر على مدار السنوات الماضية.
أثبت رينارد خلال مسيرته أن التتويج بالبطولات غير مرتبط بالعمل في بيئة واحدة أو قارة بعينه، على عكس بعض المدربين، بل أثبت المدرب الفرنسي أنه قادر على التأقلم والنجاح أينما ذهب.
ولذلك يعد الفرنسي هيرفي رينارد واحدًا من القلائل الذين تركوا بصمة عميقة في أكثر من مكان حول العالم وفي قارتين مختلفتين تمامًا، حيث حقق نجاحات سابقة في القارة الإفريقية ثم لعب دورًا كبيرًا مع السعودية في قارة آسيا.
وكانت أحد أبرز إنجازات المدرب رينارد مع منتخب زامبيا، حين قادهم لتحقيق لقب كأس أمم إفريقيا عام 2012، في مفاجأة لم تكن في الحسبان، إذ لم يكن الفريق مرشحًا من الأساس، لكن بخبرة وشخصية رينارد صنع من كتيبة مقاتلة تخطت كبار القارة.
إنجاز رينارد مع زامبيا لم يتوقف عند هذا الحد، بل عاد بعدها بثلاث سنوات ليثبت جدراته في القارة السمراء، بتحقيق اللقب من جديد في عام 2015 ولكن مع منتخب كوت ديفوار، ليصبح أول مدرب يفوز ببطولة إفريقيا مع منتخبين مختلفين.
وعاد المدرب الفرنسي لتحقيق إنجاز ثالث داخل القارة الإفريقية ولكن في هذه المرة مع منتخب المغرب بقيادة أسود الأطلس إلى نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا، مؤكدًا أنه رجل المهمات الصعبة الذي لا يتأثر بتغيير الثقافة أو الأجواء، حيث صنع منتخب منظم للمغرب أعاد لهم الأمل من جديد.
لم يكن في الحسبان أن يحقق منتخب عربي الانتصار على منتخب الأرجنتين بكامل نجومه في مباراة دولية ببطولة كأس العالم، قبل أن يأتي هيرفي رينارد ويحقق المستحيل في مشهد تاريخي لمنتخب السعودية.
ففي الوقت الذي كان يتوقع الجميع هزيمة السعودية أمام نظيره الأرجنتيني بنتيجة عريضة، خيب رينارد ظن الجميع ونجح في قلب الطاولة على ميسي ورفاقه في مباراة الجولة الأولى بدور المجموعات بكأس العالم 2022.
وبالرغم من تقدم الأرجنتين بهدف نظيف في هذه المواجهة، إلا أن منتخب السعودية بفضل هيرفي رينارد وتعليماته بين الشوطين خلال المحاضرة الفنية، استطاع العودة من بعيد بقلب الطاولة ليفوز في النهاية بهدفين مقابل هدف، في مشهد لا يصدق.
وستظل مواجهة الأرجنتين واحدة من أهم وأبرز المباريات التي أدارها هيرفي رينارد بنجاح خلال مسيرته التدريبية، وسيظل المدرب يحكي ويتحاكى عن هذه المواجهة التي وقف فيها العالم احترامًا لما قدمه الأخضر السعودي.
لا شك أن رينارد خاض العديد من المباريات الصعبة والمهمة في مسيرته، ولكن سيتوقف التاريخ عند بعض المباريات التي أدارها المدرب بذكاء شديد ونجح في النهاية في تحقيق المراد.
فلم يكن أحد يتوقع حجم الإنجازات التي وصل لها المدرب رينارد، ولم يتخيل البعض أن يفوز المدرب مع زامبيا ببطولة كأس إفريقيا بل لم يصل لفكر البعض أن هناك منتخب عربي قادر على إيقاف ميسي ورفاقه، كل ذلك فعله رينارد في مسيرته، ولذلك يملك المدرب مباريات ستظل عالقة في أذهانه على مر التاريخ.
لا شك أن رينارد يستحق فرصة قيادة منتخب السعودية في كأس العالم 2026 للعديد من الأسباب، أبرزها منحه فرصة جديدة مع المنتخب ومكافأة المدرب باستمراره بعد النجاح الذي حققه في الملحق الآسيوي بعد الفشل الكبير الذي تركه الإيطالي روبرتو مانشيني.
أما السبب الثاني، فهو منطقي وهو نفس السبب الذي جاء بالمدرب الفرنسي رينارد لقيادة السعودية من جديد، وهو معرفته التامة بلاعبي المنتخب والدوري السعودي، فلا حاجة له لمشاهدة الكثير من المباريات ومتابعة العديد من اللاعبين لأنه أصبح على علم بكل شئ داخل المنظومة السعودية.
ولذلك في حالة وصول مدرب جديد لتدريب المنتخب قبل فترة قصيرة من كأس العالم سوف يعود إلى نقطة الصفر، سيعود إلى نقطة التعارف على اللاعبين وسيحاول تطبيق أسلوب لعب جديد وطرق جديدة وهو ما قد يثير بعض الشكوك حول الأداء في البطولة المنتظرة، ولذلك رحيل رينارد عن السعودية سوف يعتبر مجازفة كبيرة حتى إذا تعاقد الاتحاد السعودي مع اسم كبير لتدريب الأخضر في المونديال.

