بقلم: عماد صروف، مدير تنفيذي أول – الإعلام الرقمي والتسويق، ArabyAds
شهد قطاع النشر الرقمي خلال الثمانية عشر شهرًا الماضية ظاهرة مقلقة وغير مألوفة، فقد بدأ الناشرون حول العالم يواجهون انخفاضات كارثية في زيارات مواقعهم، تراجعات لا تقل عن 30% وقد تصل إلى 50%، ولكن الغريب والمحير أن أدوات قياس تحسين محركات البحث (SEO) تؤكد أن كل شيء يبدو طبيعيًا، فالتصنيفات مستقرة، والروابط الخلفية قوية، وسرعة الموقع مثالية، والتحسين التقني للموقع (Technical SEO) لا تشوبه شائبة.
والسؤال الذي بات يؤرق الجميع هو: إذا كانت جميع المؤشرات سليمة، فلماذا تتراجع الزيارات؟ لأن المشكلة ليست في أداء المواقع، بل في جذر عملية البحث نفسها، لقد تطور البحث، وانتقل إلى مرحلة جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي اعتمد عليها الناشرون لعقود، وذلك بسبب الذكاء الاصطناعي.
تظهر (ملخصات الذكاء الاصطناعي) AI Overviews من جوجل نفسها الآن في نسبة تبلغ 13.14% من جميع عمليات البحث عبر محركها، بعد أن كانت هذه النسبة تبلغ 6.49% فقط في يناير 2025، مما يعني أن هذه النسبة تضاعفت تقريبًا في ثلاثة أشهر.
وفي الوقت نفسه، وصل (ChatGPT) إلى 700 مليون مستخدم أسبوعيًا، وتعتمد نسبة تبلغ 10% من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة عليه للبحث بدلًا من جوجل. كما تُقدم منصات مثل: Perplexity، و Claude غيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن إجابات مباشرة عن الأسئلة، التي كانت في السابق مصدر زيارات رئيسيًا للناشرين.
لقد أصبح النمط واضحًا، يطرح المستخدم سؤالًا، ثم يقوم الذكاء الاصطناعي بتلخيص الإجابة من مصادر متعددة وموثوقة، وفي النهاية يحصل المستخدم على المعلومة كاملة داخل منصة الذكاء الاصطناعي، دون النقر على أي رابط. والنتيجة النهائية هي: صفر في النقرات، وصفر في الزيارات، وصفر الإيرادات.
لقد استثمر الناشرون ملايين الدولارات في بناء هذا المحتوى النوعي. والآن، دَربت منصات الذكاء الاصطناعي نماذجها على هذه البيانات. ويحصل المستخدم على القيمة المعرفية دون أن يكلف نفسه عناء زيارة المصدر الأصلي. أهلًا بكم في عصر النقرات الصفرية.
كان تحسين محركات البحث (SEO) في الماضي يرتكز على هدفٍ واحد، وهو دفع المستخدمين للنقر على رابط موقعك الإلكتروني من صفحة نتائج البحث، إذ تركز الإستراتيجية على تصنيف الكلمات الرئيسية، وبناء الروابط الخلفية، وتحسين سرعة الصفحة، وإنشاء أوصاف تعريفية مغرية.
وكانت كل الجهود تصب في اتجاه واحد وهو الحصول على المزيد من الزيارات، والمزيد من النقرات، والمزيد من الجلسات. لكن البحث المعتمد على الذكاء الاصطناعي لا يخضع لهذه القواعد.
فالبحث اليوم لا يتطلب النقر، فعندما يطرح المستخدم سؤالًا على منصات مثل ChatGPT أو Claude، لن ترسله إلى موقعك، بل تُنشئ الإجابة مباشرة من بيانات التدريب الضخمة، وسواء ذكرت المصادر أو لم تذكرها، ففي كلتا الحالتين، يبقى المستخدم داخل منصة الذكاء الاصطناعي نفسها.
وهنا تفقد تصنيفاتك في جوجل أهميتها؛ لأن المستخدم ببساطة لم يبحث عبر جوجل، وتصبح إستراتيجية الكلمات المفتاحية بالية أمام قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم المعنى الدلالي العميق للنص، بدلًا من مجرد مطابقة الكلمات.
كما يفقد ملف الروابط الخلفية تأثيره؛ لأن منصات الذكاء الاصطناعي تمنح الأولوية للمصادر الموثوقة وفق معايير تختلف جذريًا عن خوارزمية (PageRank) التقليدية.
لقد تغيرت اللعبة بأكملها جذريًا، ومع ذلك لا يزال معظم الناشرين يطبّقون القواعد القديمة.
تصفح أيضًا: نموذج جديد للمادة المظلمة قد يتجاوز حدود الكشف التقليدية
يتسابق خبراء الصناعة حاليًا لوضع مصطلح جامع لوصف هذا التحول الجذري في عالم البحث، إذ يطلق بعضهم عليه اسم (AI Optimization) أي (التحسين للذكاء الاصطناعي) ويُعرف اختصارًا باسم (AIO)، ويسميه آخرون GEO (تحسين المحرك التوليدي)، أو AEO (تحسين محرك الإجابة)، أو LLMO (تحسين النموذج اللغوي الكبير).
تختلف التسميات، لكن الهدف واحد وجوهري، وهو تحسين المحتوى بحيث تستشهد به منصات الذكاء الاصطناعي عند الإجابة عن الأسئلة، إذ لم يَعد الهدف هو (تحسين الزيارات)، بل (تحسين فرص الاستشهاد) Optimization for Citation.
والفرق بين الإستراتيجيتين جوهري:
وهنا لم يَعد النجاح يُقاس بعدد الزوار، بل بمدى ظهورك كمصدر موثوق داخل وعي نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها.
لقد اختبرتُ إستراتيجيات تحسين الذكاء الاصطناعي (AIO) مع مجموعة من الناشرين، على مدار العام الماضي، ووجدتُ أن هناك عناصر محددة تدفع فعليًا إلى زيادة فرص الاستشهاد بمحتواك، وهي تشمل:
توقف عن قياس الأداء بحركة الزيارات فقط، وبدلًا من ذلك، ابدأ بتتبع ذِكر علامتك التجارية في استجابات الذكاء الاصطناعي، وقد بدأت الأدوات اللازمة بالظهور؛ فمنصات مثل: Semrush Enterprise، و Writesonic،و Otterly، و RivalSee تتيح الآن تتبع (AIO) ورصد الاستشهادات.
لذلك الأسئلة المهمة التي يجب أن تجيب عنها هذه المقاييس، هي: كم مرة يُذكر اسم علامتك التجارية؟ وما طبيعة المشاعر المرتبطة بها؟ وهل يُستشهد بك كمصدر موثوق؟ وكيف تقارن بالمنافسين؟
بالإضافة إلى ذلك؛ افتح الأبواب لـ (زواحف الذكاء الاصطناعي) AI Crawlers، بمعنى لا ترتكب خطأ حظر روبوتات الذكاء الاصطناعي مثل: ChatGPT أو Claude. فقد يبدو حظرها وقائيًا للحفاظ على محتواك، لكنه يضمن أيضًا أن الذكاء الاصطناعي لن يستشهد بك أبدًا، لذلك امنحها الإذن لتتعلم وتستشهد.
وتذكّر أن الذكاء الاصطناعي يفضّل التنظيم، فليس كل محتوى يحتاج أن يكون صحافة استقصائية طويلة، بل يجب أن يكون المحتوى الصديق للذكاء الاصطناعي منظمًا بامتياز، وواضحًا، ومُصممًا للإجابة المباشرة عن أسئلة المستخدمين.
كما يجب أن تبني سلطة معرفية في مجالات محددة؛ لأن منصات الذكاء الاصطناعي تعطي الأولوية للمصادر الموثوقة، لذلك من الأفضل أن تكون المصدر النهائي والموثوق في ثلاثة مواضيع رئيسية، بدلًا من أن تكون مصدرًا متوسطًا في ثلاثين موضوعًا.
يعني المستقبل القائم على (النقرات الصفرية) أن نماذج الأعمال التي تعتمد كليًا على الزيارات تنهار، فذلك يُترجم مباشرة إلى انخفاض حاد في انطباعات وإيرادات الإعلانات الآلية، وتراجع في تحويلات الاشتراكات، لأن عددًا أقل من المستخدمين يكتشف الموقع أساسًا. وهنا تكمن الفجوة الحرجة: الحصول على استشهاد من الذكاء الاصطناعي لا يحقق أي إيرادات.
وهذه هي الفجوة الوجودية التي يجب على الناشرين سدها: كيف يمكن تحقيق الدخل من مجرد ذكر العلامة التجارية؟ وما الآلية التي تحوّل استشهادات الذكاء الاصطناعي الثمينة إلى إيرادات فعلية؟ لقد بدأت الاستجابات تظهر:
لم تُكتشف الإجابة المثالية بعد، ومع ذلك هناك إجماع على أن تجاهل البحث بالذكاء الاصطناعي لم يَعد خيارًا إستراتيجيًا. لقد تغيرت قواعد لعبة تحسين محركات البحث نهائيًا، والناشرون الذين يتكيفون مع التحسين بالذكاء الاصطناعي (AIO) أولًا هم من يضمنون بقاءهم في الساحة، وأما أولئك الذين يُصرّون على التحسين لجوجل فقط، فسيراقبون اختفاء الزيارات وهم يتساءلون لماذا تبدو تصنيفاتهم جيدة، غير مدركين أن الجمهور لم يعد يبحث هناك أصلًا.
لذلك السؤال الحاسم في هذا العصر هو: لمَن تُحسّن محتواك فعلًا؟

