لم يَعد الطموح العربي في مجال الذكاء الاصطناعي مجرد محاولات للحاق بالركب العالمي، بل بات يفرض معاييره الخاصة ويعيد تشكيل قواعد اللعبة. فمع إطلاق معهد الابتكار التكنولوجي نموذج (فالكون H1 عربي)، لم تتغير لغة الأرقام فحسب، بل سقطت فرضية أن الأداء الأفضل يتطلب بالضرورة حجمًا أضخم.
ويمثل نموذج (فالكون H1 عربي) Falcon-H1-Arabic، قفزة نوعية في مسار الذكاء الاصطناعي العربي، إذ نجح عبر هندسته المبتكرة التي تجمع بين تقنيات Transformer، و Mamba في كسر الارتباط التقليدي بين ضخامة الحجم وقوة الأداء.
وبفضل هذه البنية الهجينة، يتمتع النموذج بدقة متناهية في فهم اللغة العربية والسياق وتمثيل اللغة بخصائصها الفريدة، مع كفاءة استثنائية تتيح تشغيله في بيئات محدودة الموارد. وبهذا الإنجاز، أثبتت أبوظبي أنه من الممكن أن ينافس النموذج العربي بحجمه المتوسط أكبر النماذج العالمية، بل ويتفوق عليها في عدد من المهام والتخصصات العلمية والثقافية واللغوية.
ولكن كيف نجحت هندسة أبوظبي في كسر احتكار العمالقة وبناء نموذج يجمع بين القوة والأداء العالي دون الحاجة إلى ضخامة الحجم؟ وما هو الأثر المتوقع لهذا الإنجاز على مستقبل التطبيقات الذكية في التعليم، والصحة، والحوكمة، وقطاع الأعمال باللغة العربية؟
يمثل (فالكون H1 عربي) تحولًا جذريًا في فلسفة بناء النماذج اللغوية. فبينما تعتمد معظم النماذج العالمية مثل (Llama) و(Qwen) على بنية (ترانسفورمر) Transformer، التقليدية، اعتمد معهد الابتكار التكنولوجي بنية هجينة تجمع بين (ترانسفورمر)، و(مامبا) Mamba.
وقد مكن هذا الدمج العبقري النموذج من معالجة البيانات بسرعة فائقة واستهلاك أقل للموارد، مع الحفاظ على دقة متناهية في فهم السياق، وهو ما يفسر قدرة النموذج على التفوق على نماذج تفوقه حجمًا بأكثر من الضعف.
تصفح أيضًا: تقرير: أكثر من 48 ألف حيوان معرض لخطر الانقراض
أثبتت نتائج الاختبارات المعيارية على لوحة صدارة النماذج اللغوية العربية المفتوحة (Open Arabic LLM Leaderboard) ريادة (فالكون H1 عربي) المطلقة في جميع الأحجام، وجاءت النتائج كالتالي:
لم يكتفِ نموذج (فالكون H1 عربي) بإتقان القواعد اللغوية العامة، بل امتد تفوقه ليشمل اختبارات معيارية تخصصية بالغة التعقيد، محققًا نتائج غير مسبوقة أعادت رسم خريطة القدرات العربية في الذكاء الاصطناعي، ويشمل ذلك:
وفي تعليق يبرز الأهمية الإستراتيجية لهذا الإنجاز، قال معالي فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة والأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة: “يجسد (فالكون H1 عربي) رؤيتنا في ترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي رائد في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي المسؤول. ومن خلال تقديم نماذج تلبي الاحتياجات اللغوية والثقافية لمجتمعاتنا، نُسهم في تمكين ابتكارات أكثر شمولًا وفاعلية وتأثيرًا”.
يقدم النموذج نقلة نوعية في طول السياق المدعوم، إذ تصل نوافذ السياق إلى 256 ألف رمز (Token). ويعني ذلك تقنيًا أن النموذج لديه القدرة على تحليل كتب كاملة، ووثائق قانونية مطولة، أو سجلات طبية ضخمة في تفاعل واحد دون انقطاع، مع الحفاظ على ترابط الأفكار، وهو ما يفتح آفاقًا غير مسبوقة للمؤسسات والقطاعات الحيوية.
وأكدت الدكتورة نجوى الأعرج، الرئيسة التنفيذية لمعهد الابتكار التكنولوجي، أن هذا الإنجاز هو نتاج سنوات من البحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي العربي، مشيرة إلى أن الارتقاء بالبنية وجودة البيانات وقدرات الاستدلال في السياقات الطويلة، كلها عوامل ساهمت في تمكين حلول مبتكرة في التعليم والصحة والحوكمة، وقطاع الأعمال وغيرها باللغة العربية”.
ومن جانبه، أوضح الدكتور حكيم حسيد، كبير الباحثين في مركز بحوث الذكاء الاصطناعي والعلوم الرقمية بمعهد الابتكار التكنولوجي، أن الهدف هو بناء ذكاء اصطناعي عربي فعال وقادر على إحداث قيمة حقيقية في التطبيقات الواقعية للمطورين والمجتمعات.
وفي خطوة لتعزيز الابتكار المفتوح، أتاح معهد الابتكار التكنولوجي النماذج الجديدة (بأحجام 3B و7B و34B) للتجربة عبر الواجهة العامة: https://chat.falconllm.tii.ae.

