تُعتبر رحلة ليونيل ميسي في نهائيات كأس العالم لكرة القدم واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الرياضة. هي رحلة بدأت بمراهق موهوب يرتدي القميص رقم 19، وانتهت بأسطورة يحمل الكأس الذهبية الغالية في لوسيل، محطماً في طريقه عشرات الأرقام القياسية التي صمدت لعقود.
من ألمانيا 2006 إلى قطر 2022، لم تكن مسيرة ميسي في كأس العالم خطًا مستقيمًا نحو المجد، بل امتلأت بالخيبات، والدموع، والنهائيات الضائعة، والانتقادات القاسية التي شككت في قدرته على قيادة الأرجنتين إلى المجد العالمي.
وعلى مدار سنوات طويلة، ظل لقب كأس العالم هو الحلقة المفقودة في مسيرة أحد أعظم من لمسوا الكرة، ما جعل كل مشاركة جديدة لميسي في المونديال تُختزل في سؤال واحد: هل تكون هذه النسخة هي الأخيرة؟ وهل ينجح أخيرًا في كتابة الفصل الأهم في تاريخه؟
لكن مونديال قطر 2022 لم يكن مجرد بطولة جديدة في سجل ميسي، بل كان لحظة التحول الحاسمة، التي اكتملت فيها الأسطورة، وتحوّل الحلم المؤجل إلى حقيقة خالدة، أعادت رسم تاريخ اللاعب، وغيرت موقعه الأبدي في نقاش “الأعظم في تاريخ كرة القدم”.
هذا التقرير من النسخة العربية لـ”365Scores” يستعرض مسيرة “البرغوث” عبر خمس نسخ من المونديال، وكيف تحول من لاعب يطارده الفشل الدولي إلى “ملك” متوج على عرش كرة القدم.
دخل ليونيل ميسي مونديال 2006 وهو يبلغ من العمر 18 عاماً و357 يوماً. كان العالم يتحدث عن موهبة برشلونة القادمة، لكن المدرب خوسيه بيكرمان كان حذراً في استخدامه.
في مباراة الأرجنتين ضد صربيا والجبل الأسود، دخل ميسي كبديل في الدقيقة 74، وفي غضون دقائق، صنع هدفاً لهيرنان كريسبو وسجل هدفاً، ليصبح سادس أصغر هداف في تاريخ كأس العالم وقتها.
السؤال الذي لا يزال ظل يسأله الأرجنتينيين: لماذا لم يشارك ميسي ضد ألمانيا في ربع النهائي؟ بعد تقدم الأرجنتين 1-0، قرر بيكرمان إجراء تبديلات دفاعية وخروج ريكيلمي.
عندما تعادلت ألمانيا، وجد بيكرمان نفسه بدون أوراق هجومية مبدعة بعد استنفاد التبديلات، وظل ميسي على المقاعد يشاهد خروج بلاده بركلات الترجيح، كانت هذه أول صدمة لميسي، حيث رصدت الكاميرات ملامح الحزن العميق على وجهه.
كان مونديال 2010 فريداً من نوعه؛ حيث اجتمع أعظم لاعب في التاريخ (مارادونا كمدرب) مع خليفته الشرعي (ميسي كلاعب).
مارادونا أعطى ميسي حرية كاملة، لكنه وضعه في عمق الملعب بعيداً عن منطقة الجزاء بشكل مبالغ فيه، تشير الإحصائيات إلى أن ميسي سدد أكثر من 30 كرة على المرمى في تلك النسخة، لكنه فشل في تسجيل أي هدف، كان نحساً تهديفياً غريباً رغم أدائه الفني المبهر.
في ربع النهائي، واجهت الأرجنتين ألمانيا مجدداً. التكتيك الألماني المنظم بقيادة يواخيم لوف كشف عيوب دفاع الأرجنتين، وانتهت المباراة بنتيجة كارثية 4-0.
غادر ميسي الملعب باكياً، وبدأت لأول مرة نغمة التشكيك: “لماذا لا يلعب ميسي مع المنتخب كما يلعب مع برشلونة؟”
شهد عام 2014 تحولاً محورياً في مسيرة ليونيل ميسي الدولية، حيث تولى أليخاندرو سابيلا مسؤولية تدريب المنتخب الأرجنتيني واضعاً ثقته الكاملة في “البرغوث”.
تحت قيادة سابيلا، لم يعد ميسي مجرد نجم الفريق الموهوب، بل أصبح القائد الفعلي الذي يحمل شارة الكابتن ومسؤولية توجيه جيل كامل. اعتمد سابيلا فلسفة تكتيكية تميل إلى التحفظ الدفاعي الصارم وتأمين المناطق الخلفية، مع منح ميسي الحرية المطلقة في الثلث الهجومي ليكون هو العقل المدبر والموكل إليه مهمة الحسم الفردي وصناعة الفارق في المباريات المعقدة التي تتطلب مهارة استثنائية.
وفي دور المجموعات من تلك النسخة، ظهر ميسي في ثوب “المنقذ” الذي لا يقهر، حيث بصم على سجل تهديفي مذهل بتسجيله في جميع مباريات هذا الدور دون استثناء.
بدأت الرحلة بهدف رائع ضد البوسنة والهرسك منح الفريق الثقة، تلاه واحد من أغلى أهدافه المونديالية حين سدد كرة مقوسة قاتلة في الدقيقة 91 ليفك شفرات الدفاع الإيراني المستعصي الذي صمد طويلاً.
واختتم هذا الدور بهز شباك نيجيريا مرتين، مؤكداً جاهزيته التامة لقيادة “الألبيسيليستي” نحو الأدوار الإقصائية بالعلامة الكاملة، بعد أن حصد للفريق النقاط التسع بفضل لمساته الحاسمة التي جاءت دائماً في الأوقات الحرجة.
ومع الانتقال إلى الأدوار الإقصائية، تغيرت طبيعة التحديات وأصبح اللعب أكثر حذراً، حيث واجهت الأرجنتين صعوبات بالغة لتجاوز منافسيها.
اعتمد الفريق بشكل كلي على تماسكه الدفاعي الحديدي، بينما كان ميسي يلعب دور “المحرك” وصانع الألعاب الذي ينتظر لحظة واحدة من الغفلة لدى الخصم ليضرب ضربته.
تصفح أيضًا: هتافات عنصرية من جماهير ألباسيتي ضد فينيسيوس (فيديو)
تجلى ذلك بوضوح في مباراة سويسرا الصعبة، حيث انطلق ميسي وقدم تمريرة ذهبية لأنخيل دي ماريا سجل منها هدف التأهل في الأنفاس الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني.
واستمر هذا النهج الدفاعي المتوازن في تجاوز عقبة بلجيكا ثم الإطاحة بهولندا عبر ركلات الترجيح، ليصل ميسي بمنتخبه إلى المباراة النهائية في ملعب “ماراكانا” الأسطوري.
في المباراة النهائية ضد الماكينات الألمانية، كانت كل الأنظار متجهة نحو ميسي لتحقيق المجد الذي طال انتظاره، شهدت المواجهة صراعاً بدنياً وذهنياً طاحناً، وأتيحت لميسي فرصة ذهبية في مطلع الشوط الثاني كانت كفيلة بتغيير مجرى التاريخ الرياضي بأكمله، إلا أن تسديدته مرت بجوار القائم بمسافة ضئيلة جداً وسط ذهول الجماهير.
استمر الصمود الأرجنتيني حتى الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، حين سجل ماريو جوتزه هدفاً قاتلاً بدد أحلام الأرجنتين، لتنتهي الرحلة بخسارة مريرة تركت أثراً عميقاً في مسيرة ميسي، حيث كان قاب قوسين أو أدنى من ملامسة الذهب.
عقب صافرة النهاية، سادت حالة من الحزن الشديد في أرجاء الملعب، وزاد من سريالية المشهد اختيار اللجنة الفنية لميسي لتسلم جائزة “الكرة الذهبية” كأفضل لاعب في البطولة.
صعد ليونيل ميسي للمنصة بملامح “جنائزية” تكسوها الخيبة والذهول، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الفخر بتلك الجائزة الفردية الرفيعة.
وقد عبر ميسي عن ذلك لاحقاً بصدق كبير، مؤكداً أن الجائزة لم تكن تعني له شيئاً في تلك اللحظة القاسية، فقد كان مستعداً للتنازل عن كل ألقابه الفردية مقابل رفع الكأس العالمية وتقديمها لشعبه، وهو ما جعل من لحظة تكريمه في البرازيل واحدة من أكثر اللحظات حزناً في تاريخ كرة القدم.
اتسمت نسخة روسيا 2018 بكونها الأسوأ فنياً وإدارياً للأرجنتين، حيث فشل المدرب خورخي سامباولي في إيجاد توليفة تكتيكية منسجمة، مما جعل ميسي يبدو معزولاً ومحبطاً تماماً داخل الملعب.
عانت الأرجنتين بشدة بعد تعادل مخيب أمام أيسلندا وخسارة قاسية من كرواتيا، لتجد نفسها على حافة الخروج المبكر في انتظار معجزة حقيقية أمام نيجيريا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كبرياء الفريق.
ظهر ميسي “المنقذ” في اللحظة الحاسمة مسجلاً هدفاً أسطورياً عبر استلام مذهل بالركبة ثم الفخذ قبل التسديد باليمين، ليمنح بلاده عبوراً دراماتيكياً نحو دور الستة عشر في لحظة تاريخية حبست الأنفاس.
انتهى المشوار في ثمن النهائي أمام فرنسا في لقاء شهد تفوق سرعة مبابي على دفاع الأرجنتين المتهالك، ورغم صناعة ميسي لهدفين إلا أن الخسارة بنتيجة 4-3 كانت إعلاناً لنهاية مؤلمة لهذه النسخة.
ساد الحزن بعد الوداع المرير، وظن الكثيرون أن هذه هي المحطة الأخيرة لميسي دولياً بعد سنوات من المحاولات التي اصطدمت دائماً بواقع فني وإداري غير مستقر داخل منظومة الاتحاد والمنتخب.
تحولت نسخة قطر 2022 إلى ملحمة كروية تجاوزت حدود المنطق، حيث ظهر ميسي بنسخة “المحارب” الذي يقاتل بشراسة على كل كرة بجانب سحره المعتاد، ليقود جيلاً شاباً آمَن بقدراته حتى النهاية.
مثلت الخسارة المفاجئة أمام السعودية في الافتتاح “زلزالاً” أيقظ العملاق الأرجنتيني، وخرج ميسي حينها ليوجه رسالة طمأنة للجماهير قائلاً: “ثقوا بنا، فنحن لن نخذلكم أبداً”، وهو ما تحول لعهد مقدس بينه وبين أنصاره.
بدأت رحلة الحسم التاريخية في ثمن النهائي بهدف ميسي في شباك أستراليا خلال مباراته رقم ألف، تبعها أداء إعجازي ضد هولندا شمل تسجيل هدف وتقديم تمريرة ساحرة في مواجهة لن تنسى.
واصل ليونيل ميسي توهجه في نصف النهائي بهز شباك كرواتيا وصناعة هدف بمهارة استثنائية بعد تلاعب تاريخي بالمدافع جفارديول، ليثبت للعالم أنه لا يزال يمتلك القدرة على الحسم في أصعب اللحظات وأكبر المواعيد.
توج ميسي مسيرته في النهائي الأعظم ضد فرنسا بتسجيل هدفين، محققاً رقماً قياسياً بالتسجيل في جميع الأدوار الإقصائية، ليرفع أخيراً الكأس التي طال انتظارها ويحقق الخلود الرياضي المنشود فوق منصة التتويج.
سجل ليونيل ميسي 13 هدفاً في نهائيات كأس العالم، مما يجعله الهداف التاريخي للمنتخب الأرجنتيني في البطولة، متخطياً جابرييل باتيستوتا (10 أهداف).
نجح ليونيل ميسي، قائد منتخب الأرجنتين، في ترك بصمته التهديفية أمام مجموعة متنوعة من المنتخبات خلال مشاركاته في نهائيات كأس العالم، عبر خمس نسخ مختلفة من البطولة، مؤكّدًا حضوره الحاسم في أكبر مسرح كروي عالمي.
يمتلك ميسي قائمة طويلة من الأرقام القياسية المسجلة باسمه في FIFA، ومن أبرزها:

