لم تكن الرسالة التي وجهها جلالة الملك عبد الله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة مؤخرا، مجرد إجراء إداري روتيني داخل المؤسسة العسكرية، بل جاءت بمثابة “وثيقة عبور استراتيجي” نحو المستقبل، تحمل في طياتها قراءة دقيقة لمتغيرات المشهد الدولي والإقليمي، وتؤسس لمفهوم جديد للأمن الوطني الأردني.
إن الدعوة الملكية لإعداد “خارطة طريق” للسنوات الثلاث المقبلة، تهدف إلى إحداث تحول بنيوي شامل في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، تستدعي الوقوف مطولا عند دلالات التوقيت، والرسائل المشفرة والمعلنة التي أرسلها الأردن إلى الإقليم والعالم.
يأتي هذا التوجه في لحظة فارقة يمر بها الشرق الأوسط، حيث يقف الأردن وسط إقليم يموج بالاضطرابات والتحولات الجيوسياسية.
تغير شكل الحرب: لقد أثبتت الصراعات الأخيرة في المنطقة (غزة، لبنان، والحرب الروسية الأوكرانية) أن الحروب التقليدية لم تعد هي المعيار الوحيد.
فالمسيرات (Drones)، والهجمات السيبرانية، والحروب الهجينة باتت هي العنوان الأبرز. ومن هنا، جاء التوجيه الملكي لمواكبة هذه التكنولوجيا لضمان التفوق النوعي.
التهديدات الحدودية: يواجه الأردن تحديات مستمرة على حدوده الشمالية والشرقية، تتمثل في حرب المخدرات والميليشيات المسلحة التي تستخدم تقنيات حديثة.
لذا، فإن الهيكلة الجديدة تهدف إلى بناء قوات “رشيقة ومرنة” قادرة على التعامل السريع مع تهديدات “حرب العصابات” والمهربين.
على الصعيد الداخلي، حملت الرسالة تأكيدا على أن “الإنسان” هو محور الاهتمام الملكي.
فالحديث عن تحسين مستوى معيشة منتسبي القوات المسلحة وتطوير مهاراتهم ليس مجرد وعد وظيفي، بل هو جزء من عقيدة “الجيش العربي”.
اقرأ ايضا: “ليلة ماطرة” بانتظار الشمال والوسط.. “الأرصاد” تحذر من سيول جارفة ورياح عاتية
إن الاستثمار في العنصر البشري عبر التدريب النوعي والتأهيل العلمي هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي منظومة عسكرية، مهما بلغ تطور سلاحها.
أما للإقليم والعالم، فقد أرسل الملك عبد الله الثاني رسائل حازمة:
رسالة قوة وردع: مفادها أن الأردن، ورغم موقعه الجغرافي الصعب، يمتلك جيشا محترفا قادرا على حماية سيادته وفرض “خطوطه الحمراء”.
الهيكلة تعني زيادة “الجاهزية القتالية” لمواجهة أي سيناريو، بما في ذلك خطر تمدد الصراعات الإقليمية.
رسالة استقلالية: التركيز على دعم الصناعات الدفاعية الوطنية (عبر المركز الأردني للتصميم والتطوير – JODDB) يعكس طموحا أردنيا لتحقيق نوع من “الاكتفاء الذاتي العسكري” في بعض المجالات، وهو ما يعزز استقلالية القرار السياسي والأمني للدولة.
لقد كان واضحا أن الرؤية الملكية تتجاوز المفهوم التقليدي للجيوش (دبابات ومدرعات) إلى مفهوم “الجيش الذكي”.
فالتوجيه بإيلاء أهمية قصوى للأمن السيبراني (دفاعا وهجوما) يدرك أن المعارك القادمة ستدار خلف الشاشات بنفس القدر الذي تدار به في الميادين.
كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات القيادة والسيطرة سيمنح الجيش العربي قدرة فائقة على تحليل المخاطر واتخاذ القرارات في جزء من الثانية.
خلاصة القول، إن التوجه الملكي لهيكلة الجيش ليس ترفا، بل هو ضرورة وإنه إعلان بأن الأردن يدخل مئويته الثانية بمؤسسة عسكرية تحاكي أعطى جيوش العالم، متسلحة بالعلم والإيمان والتكنولوجيا، لتبقى عين الأردن الساهرة، وحصنه المنيع الذي تتحطم عليه كل المؤامرات والتحديات.

