أثار المقال الذي نشره رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، بصحيفة «الشرق الأوسط» بعدد «الثلاثاء 3 مارس (آذار) 2026» تحت عنوان «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» جدلاً واسعاً في العراق، ونظر إلى ذلك من زوايا مختلفة تصب في إطار «إعادة هيكلة النظام السياسي» من خلال إعادة تفسير المادة 76 من دستور البلاد الدائم المتعلقة بتشكيل الحكومة ومفهوم «الكتلة البرلمانية الأكبر» المؤهلة لطرح مرشحها لشغل منصب رئيس الوزراء، المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة الدولة، ورسم السياسات الداخلية والخارجية.
وعد القاضي زيدان في مقاله، أن المادة 76 من دستور عام 2005 «من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل؛ نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية». حيث تنص على أن «يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة».
ورأى أن التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية للمادة عام 2010 «يجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر، كما حدث بعد انتخابات 2010 و2018 و2021 و2025، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة آخرها التي نعيشها هذه الأيام» في إشارة إلى تعرقل مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة رغم مرور نحو أربعة أشهر من إجراء الانتخابات العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وخلص القاضي إلى طرح ثلاثة طرق لتجاوز هذه المعضلة الدستورية والسياسية، من خلال إجراء «تعديل دستوري صريح يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل؛ تحقيقاً للأمن الدستوري، وصوناً لإرادة الناخب بأن يحسم المقصود بالكتلة الأكبر بشكل لا يقبل التأويل باعتماد معيار (القائمة الفائزة انتخابياً)».
أو من خلال «معالجة الإشكالية عبر تعديل قانون مجلس النواب؛ بحيث يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسمياً خلال الجلسة الأولى فقط، ويمنع تغيير صفة (الكتلة الأكبر) بعد تثبيتها». أو عبر قيام المحكمة الاتحادية العليا بـ«إعادة النظر في تفسيرها السابق، وتعتمد تفسيراً مقيداً يربط (الكتلة الأكبر) بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة».
تصفح أيضًا: اعرف قيمة رسوم تراخيص الصيد السنوية المحددة بالقانون
وبنظر المراقبين والمعلقين على مقال القاضي زيدان، فإن من شأن هذه التعديلات إحداث تغيرات جوهرية في العملية الانتخابية والحكومة التي تنبثق منها. كما يرى بعض المراقبين أن المقال لا يبتعد كثيراً عن مجمل ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط والتحولات العميقة التي يتوقع حدوثها بعد انتهاء الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، وكذلك الضغوط التي مارستها واشنطن مؤخراً على الأحزاب والقوى السياسية العراقية حول ملف تشكيل الحكومة الجديدة.
ووصف قصي محبوبة، عضو ائتلاف تحالف «الإعمار والتنمية» المقرب من رئيس الوزراء محمد السوداني، في تدوينة على منصة «إكس» مقال القاضي زيدان بأنه «أهم المتغيرات التي تدعو إلى وقف الانحرافات الدستورية والعودة إلى روح الدستور». ورأى أن «التلاعب بتفسير من له الحق بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات قد أفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، وفتح الباب على مصراعيه أمام الانتهازية السياسية، وأنها خطوة كبيرة وجريئة وشجاعة لوقف الانحراف والعودة لروح الدستور».
وقال السياسي ليث شبر في تدوينة مماثلة، إن «النقاش حول تفسير الدستور ليس نقاشاً قانونياً مجرداً، بل هو نقاش حول طبيعة النظام السياسي نفسه، فحين يُفسَّر النص على نحو يبتعد عن مقاصده تتحول الدولة إلى منظومة تعيش على الأزمات المتكررة بدل أن تتجه نحو الاستقرار». وأضاف أن «إعادة النظر في مسار تفسير النصوص الدستورية والعودة إلى روح الدستور ومقاصده لم تعد مسألة فقه دستوري فحسب، بل ضرورة سياسية لإنقاذ النظام السياسي من دوامة الانسداد التي أنتجها تفسيران تحولا مع الزمن إلى سبب دائم للأزمة».
السوداني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم براك في بغداد مؤخراً (أ.ف.ب)
ويرى الباحث محمد الحلو، أنه «لا يمكن قراءة مقال رئيس مجلس القضاء الأعلى بمعزلٍ عن سياق الشرق الأوسط الجديد ولقائه الأخير مع المبعوث الأميركي توم برّاك قبل أيام». وأضاف عبر تدوينة على «إكس» إنه «إذا تراجعت المحكمة الاتحادية عن تفسيرها السابق للكتلة الأكبر، فهذا يعني بصورة مؤكدة نهاية الإطار التنسيقي، بوصفه تحالفاً يضم مجموعة كتل متباينة الأحجام هي من تقوم بتشكيل الحكومة». ويعتقد أن كل ذلك «سيفتح ذلك الباب واسعاً أمام عودة التيار الصدري في الانتخابات المقبلة».
ويتحدث كثيرون عن أن إعادة تفسير الكتلة الأكبر سيعني ضمنياً إمكانية حصول رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني على ولاية ثانية لرئاسة الوزراء على أساس حصول تحالفه «الإعمار والتنمية» على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية بعد إعلان نتائج الانتخابات وبواقع 52 مقعداً.



