يبدو أن خروج ريال مدريد من دوري أبطال أوروبا على يد بايرن ميونخ لم يكن مجرد ليلة حزينة أخرى في تاريخ النادي، بل هو صاعقة ستضرب استقرار “البيت الأبيض” وتفتح أبواب التغيير على مصراعيها في “سانتياجو برنابيو”؛ فبعد ليلة درامية ومشحونة في “أليانز أرينا” انتهت بهزيمة قاسية بنتيجة 4-3 (6-4 بمجموع المباراتين)، بات من المؤكد وفقاً لتقرير نشرته صحيفة ذا أثلتيك، أن الإدارة برئاسة فلورنتينو بيريز تستعد لعملية “جراحية” شاملة قد لا تتوقف عند حدود دكة البدلاء، بل ستمتد لتشمل الهيكل الإداري والطبي للنادي بأكمله.
ويقف ألفارو أربيلوا، صاحب الـ 43 عاماً، في عين العاصفة حالياً؛ إذ إن طبيعة العمل في مدريد لا ترحم، خاصة بعد أن ودع الفريق البطولة الأوروبية وتلاشت آماله تقريباً في المنافسة على “الليجا” التي يتصدرها برشلونة بفارق 9 نقاط قبل 7 جولات من النهاية، ورغم أن أربيلوا تولى المهمة في يناير الماضي خلفاً لتشابي ألونسو وحاول تحسين الأجواء في غرف الملابس، إلا أن الخروج من دوري الأبطال والإخفاق المحلي في كأس الملك أمام ألباسيتي (من الدرجة الثانية) جعل بقاءه لموسم جديد أمراً في غاية الصعوبة، رغم احتمالية استمراره حتى نهاية الموسم الحالي لضمان انتقال هادئ للمرحلة القادمة.
وتعكس الأرقام حجم المأزق الذي يعيشه النادي، حيث يستعد ريال مدريد لإنهاء الموسم الحالي دون أي لقب كبير للعام الثاني على التوالي، وهو سيناريو لم يحدث منذ 16 عاماً، وتؤكد مصادر لصحيفة ذا أثلتيك أن سياسة فلورنتينو بيريز الصارمة لم تسمح تاريخياً لأي مدرب بالبقاء بعد موسمين “صفريين” باستثناء زين الدين زيدان، مما يجعل رحيل أربيلوا مسألة وقت ليس إلا، في ظل رغبة النادي في العودة إلى طريق المنصات الذي غاب عنهم منذ موسم 2024-2025.
تشير كواليس “البرنابيو” إلى أن قائمة المرشحين لخلافة أربيلوا تضم أسماءً من العيار الثقيل، يتصدرها يورجن كلوب رغم تمسكه حالياً بمنصبه في “ريد بول”، بالإضافة إلى العودة المحتملة لزين الدين زيدان الذي يربطه البعض بتدريب منتخب فرنسا بعد مونديال 2026.
كما يبرز اسم ماوريسيو بوتشيتينو، مدرب المنتخب الأمريكي الحالي، كخيار مفضل لدى بيريز منذ سنوات، بجانب ديدييه ديشامب الذي ينتهي عقده مع “الديوك” قريباً، مما يجعل الصيف القادم هو الأكثر سخونة في مكاتب النادي الملكي بحثاً عن الشخصية القادرة على ترويض كوكبة النجوم بقيادة مبابي وبيلينجهام وفينيسيوس.
ولا تتوقف الأزمة عند هوية المدرب فحسب، بل تمتد إلى عمق الهيكل الرياضي؛ إذ كشفت مصادر لصحيفة ذا أثلتيك أن طاقم تشابي ألونسو السابق وصف الفريق بأنه “مستحيل التدريب” بسبب نفوذ اللاعبين الزائد، بينما يرى آخرون أن التشكيلة الحالية تعاني من خلل واضح في التوازن، خاصة في مراكز الدفاع والوسط، مما يتطلب رحيل أحد النجوم الكبار لتمويل عملية إعادة بناء شاملة.
تصفح أيضًا: جريزمان يحسم مستقبله مع أتلتيكو مدريد بشكل نهائي
وتدرس الإدارة حالياً وبشكل جدي تعيين مدير رياضي متخصص، في محاولة لتقليص الصلاحيات الواسعة التي يمتلكها الثلاثي (سانشيز، وكالافات، وبيريز) في عمليات التعاقد، وهو تغيير جذري لم يعتده النادي منذ سنوات طويلة.
وإلى جانب التخبط الفني والإداري، يواجه ريال مدريد أزمة طبية مستعصية منذ عام 2023، تمثلت في سلسلة إصابات لا تنتهي وتوترات بين الطواقم التدريبية والمعد البدني أنطونيو بينتوس.
وحسب تقرير ذا أثلتيك، فقد وصل الأمر إلى “فضيحة طبية” تمثلت في تشخيص خاطئ لإصابة كيليان مبابي في الركبة خلال شهر ديسمبر الماضي، بعد إجراء فحص بالرنين المغناطيسي على الساق الخاطئة، مما أدى إلى تعقيد عملية تعافي النجم الفرنسي. هذه الأخطاء المتراكمة أدت إلى إعادة تعيين الدكتور نيكو ميهيتش رئيساً للخدمات الطبية، في محاولة يائسة للسيطرة على الأزمة البدنية التي نخرت في عظام الفريق هذا الموسم.
تؤكد كل المؤشرات الواردة من داخل “البرنابيو” أن التغيير قادم لا محالة، وسيشمل كل شيء من مجلس الإدارة وصولاً إلى أخصائيي العلاج الطبيعي واللاعبين.
وبينما يتمسك أربيلوا بهدوئه قائلاً إنه “جندي مخلص للنادي” ولا يفكر في مستقبله الشخصي بقدر ما يهمه نجاح ريال مدريد، تظل الحقيقة المرة هي أن النادي يحتاج إلى ثورة تصحيح حقيقية تعيد التوازن المفقود بين النجوم وصلاحيات المدربين.
مع اقتراب موسم الانتقالات الصيفية، سيكون على فلورنتينو بيريز اتخاذ قرارات شجاعة، فالتاريخ لا يرحم في مدريد، والبقاء في القمة يتطلب أحياناً التضحية بأقرب الحلفاء من أجل الحفاظ على هيبة الفريق.

