بعد أسابيع قليلة من إعادة عرض الفيلم الكلاسيكي «غودفيلاز» (Goodfellas)، الذي حقق رواجاً لافتاً وإيرادات جيدة في شباك التذاكر السعودي، مستقطباً شريحة من محبي السينما الكلاسيكية، تواصل دور العرض المحلية والعالمية الرهان على موجة «الحنين السينمائي» بوصفها من أكثر الاتجاهات جذباً للجمهور خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، تنطلق هذا الأسبوع إعادة عرض فيلمَي سلسلة «توب غان» (Top Gun).
ويأتي ذلك بالتزامن مع مرور 40 عاماً على إطلاق الجزء الأول عام 1986، الذي شكّل نقطة تحوُّل كبرى في مسيرة النجم توم كروز، إذ نقله من صورة الشاب الوسيم الصاعد في أفلام الشباب إلى نجم أكشن عالمي، ارتبط اسمه لاحقاً بالمغامرة والطيران والمشاهد الحركية عالية الخطورة.
كما تستند هذه العودة إلى استراتيجية تسويقية باتت أكثر حضوراً خلال السنوات الأخيرة، تقوم على إعادة تقديم الأفلام الكلاسيكية لفترات عرض محدودة داخل الصالات، مع تحسينات تقنية متقدمة تمنح الجمهور تجربة تختلف عن المشاهدة المنزلية أو النسخ القديمة المتداولة. ولهذا، حدّدت شركة «باراماونت» فترة العرض بأسبوع واحد فقط، في خطوة تهدف إلى خلق شعور «الفرصة المحدودة»، وهو ما أسهم مبكراً في رفع معدلات الحجز المسبق.
علاوة على ذلك، يُعرض الفيلم الأول بصيغة «آيماكس» (IMAX)، وعلى الشاشات العملاقة، بعد معالجة الصورة بدقة «4K» وترميم الصوت بتقنيات «دولبي أتموس» المحيطية. وتمنح هذه التحديثات التقنية جيلاً جديداً من المتابعين في المملكة فرصة مشاهدة لقطات الطيران الحربي والمطاردات الجوية بجودة بصرية وسمعية تواكب المعايير الحديثة لصناعة السينما.
عند إطلاق الجزء الأول عام 1986، تحوَّل الفيلم إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية تركت أصداءً امتدت لعقود، بعدما نجح في تصدّر شباك التذاكر العالمي، محققاً أكثر من 350 مليون دولار، مقابل ميزانية متواضعة لم تتجاوز 15 مليون دولار. ولم يقتصر تأثيره على شاشات السينما فحسب، بل امتد إلى الواقع أيضاً، إذ ارتبط بصورة الطيار الأميركي الشاب المتمرِّد والجريء، وخلق حالة جماهيرية انعكست حتى على المؤسسة العسكرية نفسها.
وتُشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن البحرية الأميركية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في طلبات الالتحاق بسلاح الطيران عقب عرض الفيلم، وسط موجة حماس جماهيري ارتبطت بشخصية «مافريك» (Maverick)، التي أصبحت لاحقاً واحدة من أبرز الشخصيات الأيقونية في سينما الأكشن الحديثة.
آنذاك، أسهم الفيلم في إعادة تشكيل ملامح الموضة العالمية، محولاً نظارات الطيار من علامة «راي بان» (Ray-Ban)، والسترات الجلدية العسكرية إلى قطع أساسية في الأزياء اليومية، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم. كما أصبحت موسيقى الفيلم، وأغنيته الشهيرة «Take My Breath Away»، جزءاً راسخاً من الذاكرة الجماعية لجيل كامل.
تصفح أيضًا: ولي العهد السعودي يُلقي الخطاب الملكي السنوي في «الشورى»
توم كروز في مشهد من الجزء الثاني للفيلم (IMDB)
وتدور أحداث الفيلم حول طيار شاب يلتحق بمدرسة النخبة التابعة لسلاح البحرية الأميركي، المعروفة باسم «توب غان»؛ حيث يتنافس أفضل الطيارين العسكريين وسط أجواء مشحونة بالتحدي والاندفاع والرغبة في التفوق. ومع تصاعد المنافسة، يواجه الطيار «مافريك» صراعات شخصية مرتبطة بالخوف وفقدان صديقه المقرّب «غوس» (Goose)، وهي العلاقة التي ظل تأثيرها حاضراً في الجزء الثاني «توب غان: مافريك»، حين يعود مافريك بعد عقود لتدريب جيل جديد من الطيارين.
ويقف وراء تميّز السلسلة عدد من الأسماء البارزة؛ إذ حمل الفيلم الأصلي رؤية المخرج الراحل توني سكوت، الذي قدَّم أسلوباً بصرياً مبتكراً في تصوير المطاردات الجوية، مع توظيف لافت للإضاءة والموسيقى التصويرية. كما جسَّد النجم توم كروز شخصية الطيار المتهور «مافريك»، وهو الدور الذي رسَّخه بوصفه من أبرز نجوم الصف الأول في هوليوود. وشاركه البطولة فال كيلمر في دور غريمه «آيس مان»، وأنتوني إدواردز في دور صديقه المقرب «غوس»، إلى جانب كيلي ماكجليس.
أما الجزء الثاني «توب غان: مافريك» (2022)، فقد تولَّى إخراجه جوزيف كوزينسكي، محافظاً على روح العمل الأصلي، مع تطوير بصري كبير اعتمد على تصوير الممثلين داخل طائرات حقيقية أثناء التحليق، بدلاً من الإفراط في استخدام المؤثرات الرقمية. وشهد الفيلم عودة توم كروز وفال كيلمر، إلى جانب مايلز تيلر في دور «روستر» ابن «غوس»، وغلين باول.
ورغم مرور عقود على إنتاج الجزء الأول، ظل اسم «مافريك» مرتبطاً بصورة توم كروز، حتى بعد انتقاله إلى أعمال أكثر ضخامة وتعقيداً، مثل سلسلة «مهمة مستحيلة» (Mission: Impossible)، التي كرَّست صورته بوصفه نجماً يصرُّ على تنفيذ مشاهده الخطرة بنفسه.
ويرتبط توقيت إعادة العرض مباشرة بالإعلانات الرسمية الصادرة عن استوديوهات «هوليوود»، التي أكدت بدء التحضير لإنتاج جزء ثالث من السلسلة بعنوان «توب غان 3». كما أسهم تأكيد عودة توم كروز لتجسيد شخصية الطيار بيت مافريك ميتشل في تنشيط مبيعات التذاكر المسبقة، بما يجعل إعادة العرض الحالية خطوة تمهيدية لإعادة ربط خيوط القصة لدى المشاهدين الجدد قبل انطلاق تصوير الجزء الجديد.
وتتيح هذه العودة للمشاهد متابعة العلاقة بين «مافريك» وصديقه الراحل «غوس» في الفيلم الأول، ثم الانتقال مباشرة إلى مشاهدة انعكاس تلك العلاقة على تدريبه لابن غوس، «روستر»، في الجزء الثاني.
ومن الجدير بالذكر أن فيلم «توب غان: مافريك» رُشح لست جوائز في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ95، بينها جائزة أفضل فيلم، وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل صوت، إلى جانب حصده عدداً من الجوائز الأخرى. كما حقَّق إيرادات بلغت 1.496 مليار دولار عالمياً، ليصبح ثاني أعلى أفلام عام 2022 تحقيقاً للإيرادات، والأعلى دخلاً في مسيرة توم كروز السينمائية.

