من قلب دارٍٍ صنعت هوية متفردة للمجوهرات العربية، تبرز أمينة غالي كصوت إبداعي يحمل إرثاً عريق ويعيد صياغته برؤية معاصرة. في هذا اللقاء، لا تكتفي مديرة التصميم وابنة مصممة المجوهرات المصرية عزة فهمي بسرد حكاية نشأتها بين الحرف والرموز، بل تكشف عن علاقتها الوطيدة بالتصميم كمساحة للتعبير الثقافي والفني. بين الماضي الغني بالتفاصيل والحاضر المنفتح على التجريب، ترسم أمينة ملامح مسارٍ إبداعي يتجاوز حدود المجوهرات ليصبح لغة تحاكي الهوية، وتحمل في كل قطعة قصة تُروى وتُرتدى.
عقد الهلال المتدرّج
بصفتك ابنة المصمّمة الأيقونية عزة فهمي، كيف أثّرت نشأتك في هذا العالم في هويتك الإبداعية؟ النشأة في هذا المحيط جعلت الحِرفية والسرد والثقافة جزءاً من حياتي اليومية، وليست أموراً تعلّمتها لاحقاً. كنتُ مُحاطة بالحِرفيين، وبالقصص، وبعمق ثقافي منذ سنّ مبكرة جداً. هذا شكّل هويتي الإبداعية، إذ تعلّمت أن أنظر إلى ما هو أبعد من السطح، وأن أفهم المجوهرات ليس كقطعة جامدة، بل كحكاية. كما درّب ذلك عينيّ على الاستلهام من العمارة، والشعر، والملمس، وتفاصيل الحياة اليومية، وتحويلها إلى تصاميم تحمل معنى.
متى أدركتِ أن تصميم المجوهرات ليس مجرد إرث ورثته، بل شغف شخصي تسعين للتعبير عنه بصوتك الخاص؟ لم تكن هناك لحظة واحدة فاصلة، بل كان إدراكاً تدريجياً. من خلال كوني جزءاً من عالم عزة فهمي، استوعبتُ جيداً في البداية الحمض النووي للدار. ومع الوقت، ومن خلال الدراسة والتطبيق العملي، اكتشفت رؤيتي الخاصة داخل هذا العالم. نقطة التحوّل كانت عندما تمكنتُ من الإضافة إبداعياً، وتقديم شيء جديد مع الحفاظ على جوهر الدار. عندها أصبح الأمر شخصياً، لا مجرد إرث.
كيف تعرّفين العلاقة بين المجوهرات والفن؟ وأين تذوب هذه الحدود في تصاميمك؟ بالنسبة إليّ، المجوهرات هي شكل من أشكال الفن القابل للارتداء. وتذوب الحدود عندما تحمل القطعة جمالاً بصرياً وعمقاً مفاهيمياً في الوقت نفسه. في تصاميمنا، يتحقق ذلك من خلال السرد، والرمزية، والإشارات الثقافية. فكل قطعة لا تُصمَّم فقط للارتداء، بل للتعبير عن فكرة أو شعور أو جزء من التاريخ. وهنا تتجاوز المجوهرات كونها زينة لتصبح فناً.
قد يهمك أيضًا: هيفاء وهبي تتألق بفستان قصير وتسريحة شعر مميزة
الثقافة المصرية الغنية حاضرة بقوة في هوية الدار، ما العناصر التي لا تزال تُلهمك اليوم؟ تاريخ مصر هو مصدر إلهام دائم لي، لكن الأمر لا يرتبط بعنصر واحد محدّد، بل بغنى الثقافة ككل؛ القصص، الرموز، العمارة، والطبقات المتعددة من المعاني التي نكتشفها مع الوقت. أحياناً تبرز عناصر معينة بشكل طبيعي، مثل زهرة اللوتس أو الرموز الحامية كعين حورس. ويُعد تعاوننا مع Balmain مثالاً جيداً، حيث صمّمنا كورسيه نحتياً مستوحىً من عين حورس، ودمجنا فيه عناصر مثل اللوتس وتفاصيل رمزية للحماية والتجدّد، لكن برؤية جريئة ومعاصرة. بهذه الطريقة أتعامل مع هذه المرجعيات؛ فهي لا تقف بمفردها، بل تشكّل جزءاً من لغة بصرية أوسع نواصل استكشافها وإعادة تفسيرها بطرق مختلفة.
عند البدء بمجموعة جديدة، ما الذي يأتي أولاً: القصة، الإلهام البصري أم الخامة؟ غالباً ما تبدأ العملية بالقصة. البحث يشكّل أساس العمل، سواء جاء من التاريخ أو الشعر أو العمارة أو السرد الثقافي. ومن هنا تتشكل باقي العناصر بشكل طبيعي، من الصور إلى الخامات إلى الشكل النهائي. حتى في المجوهرات الراقية، حيث قد يكون الحجر هو نقطة البداية، فإنه يصبح جزءاً من قصة أكبر.
قلادة التشوكر المزينة بالميدالية العثمانية
كيف توازنين بين الحفاظ على إرث الدار ودفعها نحو تصاميم أكثر معاصرةً وتجريبية؟ الأمر أشبه بحوار مستمر بين الماضي والحاضر. الحِرفية والسرد والأصالة الثقافية تبقى ثابتة، بينما يتطور التعبير من خلال خطوط حديثة وتقنيات جديدة ورؤى متجدّدة. التركيز دائماً على التطوّر بطريقة تحافظ على روح الدار، بحيث تكون كل خطوة إلى الأمام مبنية على فهم عميق لما سبقها.
حدّثينا عن مجموعتك الأخيرة، وهل هناك قطعة تحمل طابعاً شخصياً بالنسبة إليك؟ أعمل حالياً على مجموعة جديدة مستوحاة من عائلة Soraya، وترتكز على عناصر سماوية مثل النجوم والهلال. تحمل المجموعة إحساساً خفيفاً وصيفياً، يجمع بين البساطة والمعنى، مع رمزية هادئة مرتبطة بالنور والهداية. وبما أنها لم تُطلق بعد، أفضّل عدم التركيز على قطعة محدّدة، فالعملية كانت حدسية للغاية، تدور حول التقاط حالة شعورية معينة مع الحفاظ على روح دار عزة فهمي، عبر التوازن بين البساطة والرمزية والحِرفية بأسلوب طبيعي وخالد.
ما رؤيتك لمستقبل الدار على الصعيدين الإبداعي والعالمي؟ أرى الدار تتوسع إبداعياً إلى ما هو أبعد من المجوهرات. سيبقى التصميم في جوهر كل شيء، لكننا نستكشف أيضاً مشاريع تمتد إلى أسلوب الحياة، سواء من خلال التعاونات أو المبادرات الثقافية أو مفاهيم مثل Ramla، وهو نادٍ شاطئي نعمل على تصميمه في الساحل الشمالي بمصر. الفكرة هي ترجمة لغتنا التصميمية إلى فضاء ملموس يجمع بين العمارة والأجواء والسرد. أما على المستوى العالمي، فالأمر يرتكز على البناء على أسسنا مع تطوير أساليب التعبير. الحِرفية والسرد سيبقيان في القلب، لكن طريقة تقديمهما ستتطوّر لتبقى معاصرة، مدروسة، ومُخلصة لهوية الدار.

