في التاسع عشر من يناير الماضي، حين وقع مارك جيهي عقد انتقاله إلى مانشستر سيتي، لم يكن يدرك أن الحبر الذي جف على الورق سيتحول سريعًا إلى مادة خصبة للجدل القانوني والتكتيكي في أروقة الكرة الإنجليزية.
لطالما عُرِف السيتي بقدرته على دمج العناصر الجديدة بسلاسة فائقة، غير أن القوانين الصارمة لكأس الرابطة الإنجليزية (كاراباو) وضعت مدافع تشيلسي وكريستال بالاس السابق في موقف معقد.
بعد أن حُرِم من صعود منصة التتويج والمشاركة الفعلية في البطولة التي حققها فريقه الجديد؛ والسبب في ذلك لم يكن فنيًّا بل تنظيميًّا بحتًا ارتبط بتوقيت الإعلان عن الصفقة.
اليوم، يقف المدافع الإنجليزي الصلب على أعتاب مواجهة ذات طابع درامي خاص في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي أمام مانشستر سيتي ضد فريقه الأسبق تشيلسي.
مباراة لا تمثل له مجرد فرصة للتعويض، بل هي بوابة ذهبية لتحقيق أول ألقابه الرسمية بالقميص السماوي، وإثبات جدارته أمام النادي الذي نشأ بين جدرانه وغادره بحثًا عن النجومية.
هذه المواجهة تجمع في طياتها بين الرغبة الجارفة في إثبات الذات، وبين المفارقات التاريخية التي لا تصنعها إلا بطولة الكأس العريقة، حيث يتحول الماضي إلى دافع مستمر نحو المجد.
تكمن تفاصيل حرمان مارك جيهي من خوض نهائي كأس الرابطة في بند صارم ضمن لوائح رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة، والتي تنص على منع أي لاعب من تمثيل ناديه الجديد إذا تمت الصفقة بعد انطلاق مباريات ذهاب الدور نصف النهائي من المسابقة.
جيهي، الذي وضع اللمسات الأخيرة على عقده أواخر يناير، وجد نفسه مقيدًا خارج القائمة المستدعاة لتلك الأدوار الإقصائية الحاسمة، وهو ما فرض عليه دور المشاهد بينما كان زملاؤه الجدد يحتفلون باللقب؛ أمر أصاب اللاعب بمرارة بالغة، خاصة وأنه جاء إلى مانشستر سيتي تحديًّا لرغبته في ملامسة الذهب سريعًا.
على النقيض تمامًا، عاش زميله الغاني أنطوان سيمينيو سيناريو مغايرًا ومثاليًّا أظهر مرونة حاسمة في توقيت الانتقالات الشتوية؛ فالأخير حسم مانشستر سيتي تفاصيل التعاقد معه مبكرًا في يناير، وتحديدًا قبل إطلاق صافرة البداية لمباريات ذهاب نصف النهائي.
هذا التوقيت المبكر منح سيمينيو الضوء الأخضر قانونيًّا للمشاركة الفعالة في مباراتي الذهاب والإياب، وصياغة دور أساسي في التشكيل، وصولًا إلى خوض المباراة النهائية والتتويج باللقب رسميًّا، ليكون الفارق بين مشهد سيمينيو الباسم ومشهد جيهي الصامت مجرد أيام قليلة في الروزنامة الشتوية.
لا يمكن فهم حجم الإثارة في رحلة مارك جيهي نحو نهائي ويمبلي دون النظر إلى الخلف، وتحديدًا إلى بداياته الكارثية في هذه النسخة من البطولة عندما كان قائدًا لخط دفاع كريستال بالاس.
اقرأ ايضا: ملاعب كأس العالم 2026 .. ملعب بي بي في إيه
في الدور الثالث من كأس الاتحاد الإنجليزي، عاش جيهي ليلة قاسية ومحبطة للغاية حين تجرع فريقه اللندني السابق هزيمة مفاجئة ومدوية على يد فريق ماكلسفيلد، الناشط في الدرجات الأدنى.
مباراة خاضها جيهي كاملة على مدار تسعين دقيقة، وشهدت عجزًا تكتيكيًّا واضحًا في احتواء المرتدات السريعة للمنافس المتواضع.
تلك الهزيمة النكراء بدت وقتئذ كأنها نهاية مبكرة ومخيبة لآمال اللاعب في معانقة الكأس العريقة، ولم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن ذات اللاعب الذي خرج من الباب الضيق أمام فريق مغمور سيعود إلى البطولة ذاتها بقميص مغاير ليخوض نهائيها الكبير.
إنها إحدى معجزات كرة القدم الحديثة التي تمنح اللاعبين فرصة ثانية عبر نوافذ الانتقالات؛ حيث تحول جيهي في غضون أشهر قليلة من مدافع يتجرع مرارة الخروج المبكر، إلى ركيزة أساسية في منظومة دفاعية تبحث عن المجد في ويمبلي.
تحليل هذا التحول يوضح مدى التطور الذهني الذي يمتلكه جيهي؛ فاللاعب لم يستسلم لإحباطات النصف الأول من الموسم، بل استغل منظومة مانشستر سيتي القوية لإعادة اكتشاف نفسه وتقديم مستويات دفاعية رفيعة.
الخروج أمام ماكلسفيلد بات الآن مجرد ذكرى بعيدة، ونقطة انطلاق ملهمة تؤكد أن مسار اللاعب المحترف يمكن أن يتغير جذريًّا إذا ما توفرت له البيئة التكتيكية المناسبة والمنظومة التي تحمي قدراته الفردية وتبرزها.
تكتسب المباراة النهائية طابعًا دراميًّا إضافيًّا لكونها تضع مارك جيهي في مواجهة مباشرة ضد تشيلسي، النادي الذي نشأ وترعرع في أكاديميته الشهيرة “كوبهام”، والتي غادرها سابقًا بحثًا عن دقائق لعب منتظمة وفرصة حقيقية لإثبات الذات.
جيهي يمثل جيلًا من المواهب التي اضطرت إلى الهجرة من غرب لندن لتحقيق النجاح، وهو ما يجعل مواجهة فريقه الأم بمثابة تصفية حسابات رياضية صامتة؛ حيث يسعى المدافع إلى إثبات أن قرار التخلي عنه كان خطأ استراتيجيًّا فادحًا ارتكبته الإدارة البلوزية.
تكتيكيًّا، يدرك جيهي طريقة تفكر وهجوم لاعبي تشيلسي بحكم المعرفة الطويلة بأسلوب النادي، وهو ما يمنحه ميزة نسبية في التوقع وقطع الكرات وبناء اللعب من الخلف، وهي الميزة التي يعول عليها مانشستر سيتي كثيرًا لفرض أسلوبه الاستحوادي.
تواجد جيهي كعنصر أساسي في هذه الموقعة يعكس ثقة المدرب الكبيرة في قدرته على فصل المشاعر العاطفية عن الواجب المهني، وتقديم أداء منضبط يستهدف خنق مفاتيح لعب تشيلسي الهجومية ومنعهم من زيارة شباك السيتي.
نجاح جيهي في رفع الكأس على حساب الفريق الذي رفض منحه الفرصة كاملة سيكون بمثابة سيناريو سينمائي بامتياز، وتأكيدًا علنيًّا على نضجه الكروي؛ فاللقب الأول له مع مانشستر سيتي لن يكون مجرد ميدالية ذهبية تطوق عنقه.
بل سيكون صك اعتراف دولي بأنه بات واحدًا من صفوة المدافعين في إنجلترا، وأن رحلته الشاقة من كوبهام إلى بالاس، ومن ثم إلى سيتي، قد آتت أكلها وثمارها في ليلة ويمبلي التاريخية.

