حققت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مكسباً محدوداً في ملف المعادن النادرة خلال القمة الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بعدما تعهدت بكين بمعالجة نقص بعض المعادن الحيوية التي تؤثر على الصناعات الأميركية، لكن من دون التخلي عن نظام الرقابة الصارم على الصادرات الذي تستخدمه ورقة ضغط استراتيجية.
وبحسب ملخص نشره البيت الأبيض عقب القمة، وافقت الصين على معالجة المخاوف الأميركية المرتبطة بنقص معادن حيوية تشمل الإيتريوم والسكانديوم والإنديوم والنيوديميوم، وهي عناصر تدخل في صناعات الطيران والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة.
لكن البيان الأميركي الجديد حذف إشارة سابقة كانت وردت بعد قمة بوسان العام الماضي، تحدثت عن التزام صيني بـ«إلغاء فعلي» للقيود المفروضة على صادرات المعادن الحيوية، ما عدّه مراقبون اعترافاً ضمنياً من واشنطن بأن نظام الرقابة الصيني «باقٍ ولن يختفي قريباً».
وفرضت بكين القيود الحالية في أبريل (نيسان) 2025، رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب فيما سُمي حينها «تعريفات يوم التحرير»، لتتحول المعادن النادرة سريعاً إلى أحد أخطر أسلحة الحرب التجارية والتكنولوجية بين البلدين.
وتسيطر الصين على الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة وتقنيات معالجتها، ما يمنحها نفوذاً كبيراً على الصناعات الغربية الحساسة؛ من السيارات الكهربائية إلى الطائرات والأسلحة والرقائق الإلكترونية.
ورغم استمرار منح تراخيص التصدير لقطاعات مثل السيارات والإلكترونيات الاستهلاكية، لا تزال الشركات الأميركية العاملة في المجالات المرتبطة بالتطبيقات العسكرية تواجه تأخيرات وصعوبات في الحصول على الإمدادات.
وكانت تقارير سابقة قد كشفت أن نقص الإيتريوم، المستخدم في الطلاء الحراري لمحركات الطائرات، والسكانديوم المستخدم في تصنيع الرقائق، ألحق أضراراً مباشرة بالصناعة الأميركية ودفع شركات كبرى للضغط على البيت الأبيض من أجل التدخل لدى بكين.
الإنديوم… معدن الذكاء الاصطناعي
برز الإنديوم للمرة الأولى بشكل واضح في البيان الأميركي، في مؤشر على تصاعد القلق داخل واشنطن بشأن سلاسل توريد أشباه الموصلات المتقدمة.
ويُستخدم مركب «فوسفيد الإنديوم» في تصنيع رقائق الفوتونيات من الجيل الجديد، التي تعتمد على الضوء بدلاً من الكهرباء لمعالجة البيانات، وهي تقنية تُعدّ أساسية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل السادس والاتصالات البصرية فائقة السرعة.
كما يدخل «أكسيد قصدير الإنديوم» في صناعة شاشات «إل إي دي» والأجهزة الإلكترونية الحديثة، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات مصدر قلق واسعاً لشركات التكنولوجيا العالمية.
قد يهمك أيضًا: تراجع السندات طويلة الأجل يرفع منحنيات العائد في أوروبا
وأظهرت بيانات الجمارك الصينية انخفاض صادرات الإنديوم عالمياً بنحو الثلثين منذ فبراير (شباط) 2025، بينما تراجعت الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بنسبة 77 في المائة.
وتبرز شركة «كوهيرنت» الأميركية بوصفها أحد أكبر المتضررين، إذ تستحوذ على نحو 40 في المائة من سوق مكونات فوسفيد الإنديوم البصرية، بينما تواجه صعوبات تنظيمية وسياسية في الصين.
وجاء ملف المعادن النادرة في صلب قمة ترمب وشي الأخيرة ببكين، التي سبقتها مفاوضات مكثفة في كوريا الجنوبية بين وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ.
ورافق ترمب في زيارته وفد من كبار التنفيذيين الأميركيين، بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ، الذي انضم إلى الرحلة في اللحظات الأخيرة، وسط مساعٍ لحل مشكلات شركات التكنولوجيا الأميركية داخل السوق الصينية.
وقال ترمب قبل وصوله إلى بكين، إنه سيطلب من شي «فتح الصين أمام الشركات الأميركية»، معتبراً ذلك أولوية أساسية للقمة.
كما ناقش الجانبان ملفات الرقائق الإلكترونية والقيود على معدات تصنيع أشباه الموصلات، إضافة إلى الحرب مع إيران والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
استقرار هش
رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت القمة، يرى خبراء أن الاتفاقات الحالية لا تمثل اختراقاً حقيقياً بقدر ما تعكس رغبة مشتركة في منع التصعيد.
وقال كوري كومبس من شركة «تريفيوم تشاينا»، إن «الفجوة ليست مثالية لكنها مقبولة»، مضيفاً أن الأهم هو أن الطرفين أظهرا اهتماماً واضحاً بالاستقرار وإيصال هذه الرسالة إلى الداخل في البلدين.
لكنّ مراقبين يرون أن واشنطن تدخل هذه المرحلة من موقع أضعف نسبياً، مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب مع إيران، وارتفاع التضخم، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مقابل وضع صيني أكثر استقراراً سياسياً.
وفي المقابل، تبدو بكين حريصة على الحفاظ على نفوذها في ملف المعادن النادرة دون تقديم تنازلات جوهرية، ما يعني أن الصراع التكنولوجي والاقتصادي بين القوتين، سيبقى مفتوحاً حتى مع استمرار الحوار السياسي بينهما.

