بينما التزمت الجزائر الصمت بشأن زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، التي جرت قبل أسبوع، كشفت باريس عن كواليس اللقاءات؛ وتصدرت المباحثات ملفات ساخنة تتعلق بتبادل المطلوبين، بين معارضين سياسيين تلاحقهم الجزائر، ومتهمين بالفساد يملكون أصولاً في فرنسا كانوا مسؤولين في فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 – 2019).
في تصريحات صحافية نقلتها جريدة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، أمس الأحد، تحدث دارمانان عن التعاون القضائي الذي يجري إرساؤه بين البلدين. ففي مقابل الحصول على معلومات حول تهريب المخدرات، قدمت السلطات الجزائرية طلبين: تسليم معارضين جزائريين، وما يعرف بـ«استعادة الأموال المنهوبة».
وزيرا العدل الجزائري والفرنسي (سفارة فرنسا بالجزائر)
وقال الوزير الفرنسي إنه نقل إلى السلطات الجزائرية قائمة بمهربي مخدرات فرنسيين جزائريين مطلوبين لدى العدالة الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في شبكة «دي زاد مافيا» التي ينشط أعضاؤها في جنوب فرنسا، ويعتقد أن قياديين من الشبكة لجأوا إلى الجزائر بحكم أنهم يتحدرون منها، هرباً من ملاحقة جهاز الأمن الفرنسي.
وأكد الوزير أنه «يأمل في الحصول على المزيد من عمليات التسليم»، في حين أن فرنسا لم تحصل إلا على عملية تسليم واحدة فقط منذ خمسة عشر عاماً وفقاً لتصريحاته. ومع ذلك، يذكر الوزير بأن الجزائر «لا تسلم أبداً رعاياها».
وخلال تنقله إلى الجزائر، حاول الوزير الفرنسي إعادة إطلاق تعاون قضائي أضعفته سنتان من التوترات الدبلوماسية بين باريس والجزائر، والتي اندلعت في صيف 2024 على إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.
أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني سابقاً عمار سعداني (إعلام حزبي)
وشملت المناقشات التي أجراها مع وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة، عمليات التسليم، والمعارضين السياسيين اللاجئين في فرنسا، بالإضافة إلى الملف الحساس لـ«الأموال المنهوبة»، وهي عقارات وودائع يُعتقد أن رموزاً من النظام السابق هرّبوها إلى فرنسا.
نوصي بقراءة: «الخارجية» اليمنية: التسليح الإيراني للحوثيين يعرقل السلام ويطيل الصراع
ودافع الوزير الفرنسي، في تصريحاته الصحافية، عن استراتيجية «الحوار الصارم والمتطلب» مع الجزائر؛ مشيراً إلى أنه «يرفض في الوقت نفسه السذاجة» و«القطيعة التامة»، مشيداً بـ«الأهمية الاستراتيجية للجزائر بالنسبة لفرنسا، سواء في قضايا الطاقة أو الأمن».
ويتعلق أحد الملفات الرئيسية التي تم التطرق إليها، بمهربي المخدرات والمجرمين المطلوبين بين البلدين. ويؤكد جيرالد دارمانان أنه قدم للسلطات الجزائرية أسماء مهربي مخدرات مطلوبين لدى المحاكم الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في مجموعات تضم متابعين أمنياً في فرنسا، خصوصاً في مدينة مرسيليا حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين.
وتطرح السلطات الجزائرية مواضيع خاصة بها في التعاون مع باريس؛ إذ تطالب بشكل ملح بعودة أو تسليم بعض المعارضين السياسيين المستقرين في فرنسا؛ حيث يأتي على رأسهم الصحافي هشام عبود، واليوتيوبر أمير بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد»، وهم كثر في اتخاذ فرنسا ملجأ لهم والاستمرار في النشاط والتعبير عن آرائهم، وهو الأمر الذي يزعج السلطات الجزائرية التي تتعامل مع باريس بوصفها «بلداً يوفر ملاذاً آمناً لمتآمرين ضد وحدة الجزائر واستقرارها».
ويعد طلب تسليمهم حساساً بالنسبة لباريس، بما أن العديد منهم يستفيدون من وضع لاجئ سياسي يحظى بحماية الأمم المتحدة. غير أن جيرالد دارمانان يحذر من أن «على هؤلاء احترام قواعد جمهوريتنا»، وفق تصريحاته لـ«جورنال دو ديمانش».
وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)
وتناولت زيارة دارمانان قضية رئيسية أخرى، وهي «الأموال المنهوبة» المرتبطة بمحيط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 – 2019). وأكدت الجزائر أنها وجهت لفرنسا قرابة 130 طلباً قضائياً لاستعادة أصول يُشتبه في أنها متأتية من الفساد ومودعة على التراب الفرنسي. ويُستحضر هنا الشقق الفاخرة لأمين عام حزب «جبهة التحرير الوطني» سابقاً عمار سعداني، ووزير البيئة سابقاً شريف رحماني، ووزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، وقائد سلاح الدرك سابقاً الجنرال غالي بلقصير، من بين آخرين وردت أسماؤهم في الصحافة وبعض التحقيقات. وإذا كان بالنسبة لسعداني ورحماني لا توجد أي ملاحقة قضائية معروفة، فإن حالة بوشوارب مختلفة؛ فالوزير المهم في عهد بوتفليقة يقع تحت طائلة مذكرة توقيف دولية وأحكام ثقيلة بالسجن صدرت غيابياً. وكانت محكمة فرنسية رفضت العام الماضي تسليمه، بدعوى «عدم توفر شروط محاكمة عادلة في الجزائر»، فيما يخص قضيته.
ويشدد الوزير دارمانان على «استقلالية العدالة الفرنسية» في هذا الملف. ويوضح أنه اصطحب معه المدعي العام المالي الوطني إلى الجزائر، «من أجل تعميق التبادلات الفنية مع القضاة الجزائريين وتوطيد الملفات التي من شأنها أن تفضي إلى قرارات قضائية». ولم يتطرق جيرالد دارمانان إلى «ملف اختطاف أمير بوخرص» الذي يُلاحق فيه موظفان في قنصلية جزائرية من طرف القضاء الفرنسي، حيث أوقف أحدهما في 2025 بينما يقع الآخر تحت طائلة مذكرة توقيف دولية.
ويقول دارمانان بهذا الخصوص: «أنا لست ساذجاً ولا واهماً، لكني صاحب إرادة»، عادّا أن هذا التعاون ضروري جداً «من أجل أمن الفرنسيين» رغم الخلافات المستمرة بين الدولتين.

