فرضت السلطات الجزائرية حظراً شاملاً على أي وجود بشري داخل المحيطات الغابية والفضاءات الشجرية، بدءاً من مايو (أيار) الحالي إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ تجنباً لحرائق محتملة كانت قد خلّفت في السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من القتلى وخسائر كبيرة في الغطاء النباتي والممتلكات.
وقُنّن هذا الحظر بمرسوم تنفيذي، صدر حديثاً، جاء ليعكس مخاوف الحكومة من فترة زمنية حرجة وعالية المخاطر، تشهد عادة ارتفاعات متتالية في درجات الحرارة.
جانب من النيران بمنطقة القبائل صيف 2021 (متداولة)
ويمتد هذا الإجراء الصارم ليلغي أي استثناءات ممكنة، سواء أكان المستهدَفون من هواة رحلات المشي الجبلية، أم من المتنزهين العابرين في عطل نهاية الأسبوع، أو حتى العائلات التي تقصد فضاءات غابية بحثاً عن جيوب برودة وانتعاش، في وقت أكدت فيه مصادر رسمية أن حزمة العقوبات المسلطة على المخالفين لن تكون رمزية أو صورية.
وقد صيغ المرسوم التنفيذي بعبارات قاطعة لا تحتمل اللبس أو التأويل، حيث يمنع منعاً باتاً تحرك الأشخاص وتنقلهم داخل هذه المناطق؛ سواء أكانوا راجلين، أم على متن السيارات، أم باستخدام الدراجات الهوائية، كما يمتد الحظر ليشمل أنشطة شواء اللحوم، وإيقاد نيران التخييم، وتنظيم النزهات العائلية والتجمعات البشرية، حتى خلال أيام عيد الأضحى حيث جرت العادة فيها أن تستقطب المرتفعاتُ الغابية آلافَ العائلات الجزائرية.
غابة «إعكوران» بمنطقة القبائل ممنوعة على السياح حتى الخريف المقبل (ناشطون في حماية البيئة)
ويضع هذا الإطار القانوني كل من يتجاوز هذه التوجيهات تحت طائلة المتابعة القضائية الجزائية، التي تقود إلى أحكام سالبة للحرية تتراوح بين شهرين و6 أشهر حبساً نافذاً، تضاف إليها غرامات مالية كبيرة، على أن تشتد صرامة العقوبة وتتضاعف في حال تبين أن الشخص المخالف كان سبباً مباشراً في اندلاع شرارة الحريق الأولى، أو ثبت إسهامه في عرقلة عمل طواقم الحماية المدنية وجهود الإغاثة.
وبهذه الخصوص، صرّح العضو الناشط في منظمة «حمايتك»، سفيان لواسع، للصحافة، بأن هذه التدابير الاستثنائية «مفروضة دورياً مع كل موسم قيظ»، رافضاً وصفها بالتعسف الإداري أو الإفراط التنظيمي، «بل تفرضها؛ بوصفها حتمية موضوعية، تلك المشاهدُ المأساوية التي تجرعتها البلاد في السنوات القليلة الماضية»، في إشارة إلى الحرائق المستعرة التي عاشتها مناطق شاسعة، خصوصاً حرائق منطقة القبائل في صيف 2021 التي خلفت صدمة عنيفة في البلاد نتيجة فداحة الخسائر.
اقرأ ايضا: فيديو .. تنفيذ أعمال طلاء داخل مدرسة بالهاشمية يثير مخاوف صحية على الطلبة
ونقل لواسع، عن خبراء وفنيين، أن مجرد شرارة عابرة في ظل ظروف مناخية تتسم بالحرارة الشديدة والرياح القوية؛ كفيلة بتحويل مساحات شاسعة، في غضون دقائق معدودة، جحيماً لا يمكن تطويقه، لا سيما أن الثروة الغابية في الجزائر تتمركز في الغالب ضمن تضاريس جبلية وعرة ومرتفعات معقدة لا تتيح لفرق الإنقاذ سوى هوامش مناورة ضيقة ومحدودة للغاية.
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (متداولة)
وترتكز الخلفيات التي تسوقها السلطات لتبرير هذا المنع على المعوقات اللوجستية التي تلازم العمليات الإسعافية، وهو ما أصر لواسع على إبرازه، في تصريحاته، مؤكداً أن تدخلات رجال الحماية المدنية وطواقم الإغاثة في البيئات الغابية «تصنف واحدةً من أعقد العمليات الميدانية وأخطرها، نظراً إلى الانحدارات التضاريسية الحادة، وغياب المسالك الترابية والخطوط الطرقية المهيأة التي تسمح لآليات التدخل بالوصول الفوري وفي الوقت المناسب».
ولا يتوقف التهديد عند حدود الحرائق، وفق لواسع، بل يتعداه إلى حالات متكررة؛ من تيه هواة التسلق، وحصار العائلات في المسالك النائية؛ «مما يفرض استنزافاً وإعادة توجيه لإمكانات بشرية ومادية هائلة لإنقاذهم؛ مما يضع حياة المنقذين أنفسهم على المحك وفي مواجهة أخطار محدقة».
رقابة رقمية
من جهة أخرى، تتابع السلطات ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي لمحاصرة ظاهرة فيديوهات «التحدي» التي يصورها شباب داخل الغابات المغلقة. ويرى لواسع أن هذه المقاطع «تروج لصورة مغلوطة تدفع الآخرين لتقليدها على أنها نوعٌ من الترفيه، رغم أنها تصرفات خطيرة تضع حياة أصحابها ورجال الإغاثة في الميزان».
عامل في صيانة ورعاية الغابات بالعاصمة (ولاية الجزائر)
ووراء مقاربة المنع، شهد المخطط الاستباقي للدولة تعزيزاً غير مسبوق في العتاد والعدد، حيث حشدت المديريةُ العامة للغابات لمجابهة موسم صيف 2026 طاقماً بشرياً يتجاوز 6 آلاف عنصر، مدعومين بالأرتال المتحركة، وأبراج المراقبة المستحدثة، ونقاط حشود المياه الموزعة هندسياً في النقاط الحساسة، بالتوازي مع الاستعانة بالتكنولوجيا، عبر توظيف 140 طائرة مسيّرة لضمان التغطية الجوية والإنذار المبكر في بؤر الدخان.
وقد أثبتت هذه الخطة الوقائية نجاحها العام الماضي (2025)، بعدما تراجعت المساحات المحروقة بنسبة قياسية بلغت 91 في المائة، وهو الإنجاز الذي تسعى السلطات إلى الحفاظ عليه وتطويره هذا الصيف، خصوصاً أن الحرائق القاسية التي شهدتها ولايات عدة في السنوات الأخيرة، مثل بجاية وتيزي ووزو وسطيف بشرق البلاد، تؤكد أن الخطر لا يزال قائماً.

