في القرى اليمنية الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية، يأتي عيد الأضحى هذا العام مثقلاً بالأزمات الاقتصادية والمعيشية التي أنهكت السكان على مدى سنوات الحرب، لتغيب كثير من مظاهر الفرح التقليدية التي اعتادها اليمنيون في الأرياف، وتحل محلها هموم تأمين الغذاء وتوفير الحد الأدنى من احتياجات الأسر.
وعلى امتداد قرى محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) يستقبل الأهالي العيد وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي، في وقت فقدت فيه آلاف الأسر مصادر دخلها نتيجة توقف الرواتب وتدهور النشاط الزراعي والتجاري.
ويقول سكان في قرى متفرقة بمحافظة إب لـ«الشرق الأوسط» إن مظاهر العيد التقليدية تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ اختفت الزيارات الاجتماعية الواسعة وموائد العيد العامرة، لتحل محلها حالة من القلق والترقب بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
كما دفعت الأوضاع القمعية الحوثية وعمليات تجنيد الأطفال بعض الأسر إلى الحد من تحركات أبنائها أو إرسالهم إلى مناطق أخرى أكثر أمناً، مما أسهم في تفريغ العديد من القرى من شبابها، وانعكس سلباً على الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل الأرياف.
اتساع رقعة الجوع يجبر آلاف اليمنيين للاعتماد على المبادرات الإنسانية (الشرق الأوسط)
وأكد السكان أن كثيراً من العائلات لم تتمكن هذا العام من شراء ملابس العيد لأطفالها، واكتفت بتوفير الاحتياجات الأساسية من الدقيق والسكر والزيت، بينما أصبحت الحلويات والألعاب خارج حسابات معظم الأسر الفقيرة.
وفي عزلة «بني هاد» التابعة لمديرية العدين جنوب غربي إب، يقول أمين. ع: «إن السكان لم يعودوا يمتلكون المواشي كما في السابق، بعدما اضطر كثير منهم إلى بيعها خلال سنوات الحرب لتأمين الغذاء أو العلاج أو سداد الديون».
وأضاف: «إن الجبايات وارتفاع أسعار الأعلاف وشح المياه وتراجع النشاط الزراعي دفعت كثيراً من الأهالي إلى العزوف عن تربية المواشي التي كانت تمثل أحد أبرز مظاهر الاكتفاء في الريف اليمني».
وأوضح أن العيد كان يرتبط في السابق بذبح المواشي وتوزيع اللحوم وإقامة الولائم العائلية، غير أن هذه المظاهر تراجعت بصورة لافتة، حتى باتت بعض القرى تخلو من أصوات المواشي التي كانت تملأ الحارات والبيوت مع اقتراب العيد.
لا تقتصر الأزمة في اليمن، بحسب السكان، على غياب المواشي، بل تمتد إلى العجز عن شراء اللحوم من الأسواق، بعد وصول أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر، الأمر الذي جعل موائد العيد شبه خالية لدى كثير من العائلات الفقيرة.
تصفح أيضًا: قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»
وتعاني القرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية من تدهور الخدمات الأساسية، حيث يواجه السكان أزمات متكررة في المياه والكهرباء والرعاية الصحية، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الأسواق وارتفاع تكاليف النقل.
ويقول أحد سكان ريف إب لـ«الشرق الأوسط»: «العيد لم يعد كما كان، فالأطفال يخرجون بملابس قديمة، وكثير من الأسر باتت عاجزة حتى عن شراء اللحوم أو إعداد وجبات العيد المعتادة».
سوق للماشية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)
وأضاف أن طقوس العيد التي كانت تجمع أبناء الريف في ساحات واسعة لتبادل الزيارات والألعاب الشعبية تراجعت بشكل كبير نتيجة الضغوط المعيشية والخوف من الأوضاع الأمنية وحالة الفقر المتفاقمة.
وتعكس هذه الشهادات جانباً من الواقع الإنساني الذي تعيشه القرى اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث تتشابه هموم الريف والمدينة تحت ضغط الحرب والأزمة الاقتصادية المستمرة، بينما تبقى آمال السكان معلقة بانفراج يعيد للعيد معناه وفرحته الغائبة.
على الرغم من قسوة الظروف، يحاول سكان القرى الحفاظ على بعض مظاهر العيد البسيطة، من خلال تبادل الزيارات المحدودة وإعداد الأكلات الشعبية وتقديم المساعدة للأسر الأشد فقراً، في صورة تعكس استمرار روح التكافل الاجتماعي داخل المجتمع اليمني.
ويرى مراقبون أن الأوضاع الإنسانية في الأرياف اليمنية أصبحت أكثر هشاشة خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وغياب الخدمات الأساسية، مما جعل العيد مناسبة تكشف حجم المعاناة اليومية التي يعيشها ملايين اليمنيين أكثر من كونه موسماً للفرح والاحتفال.
مالك فَرشة يقف أمام بضاعته في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
وأوضحوا أن معاناة سكان الريف في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية لا تختلف كثيراً عن المدن، وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً، إذ تعيش القرى عزلة مضاعفة نتيجة ضعف البنية التحتية وغياب المنظمات والخدمات، مما يجعل سكانها أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.
وأشاروا إلى أن تدهور أوضاع الريف اليمني يعكس حجم الأزمة الإنسانية المتصاعدة في البلاد، حيث لم تعد القرى التي كانت توصف سابقاً بأنها أكثر اكتفاءً قادرة على تأمين أبسط مقومات الحياة، ليأتي العيد هذا العام محملاً بالهموم أكثر من الفرح.

