في ظل الاهتمام المتزايد بأساليب الحياة الصحية، يبحث كثيرون عن عادات بسيطة يمكن إدراجها في الروتين اليومي دون جهد كبير، لكنها تُحدث فرقاً ملموساً في الصحة. ويُعدّ المشي من أكثر هذه العادات شيوعاً وسهولة، خاصة عندما يُمارس في أوقات محددة مثل ما بعد تناول الطعام. فهل لهذه العادة فوائد حقيقية، أم أنها مجرد توجه شائع؟ تشير الأدلة إلى أن المشي لفترة قصيرة بعد الوجبات قد يكون أكثر فائدة مما يُعتقد.
يُعدّ المشي عموماً من أفضل الأنشطة التي تدعم الصحة البدنية والقلبية والعصبية. وقد انتشر مؤخراً اعتماد المشي لفترة وجيزة بعد كل وجبة، ليس فقط كعادة صحية، بل كوسيلة فعّالة لتحسين وظائف الجسم. وتشير المعطيات إلى أن هذه الممارسة قد تُسهم بالفعل في تعزيز الصحة، وفقاً لموقع «هيلث لاين».
يُعدّ دعم الهضم من أبرز الفوائد المرتبطة بالمشي بعد تناول الطعام، إذ تساعد حركة الجسم على تنشيط المعدة والأمعاء، مما يُسرّع عملية انتقال الطعام عبر الجهاز الهضمي.
وأظهرت دراسة صغيرة أُجريت عام 2021 أن المشي لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة بعد كل وجبة، وعلى مدى أربعة أسابيع، ساهم في تقليل أعراض الجهاز الهضمي، مثل الغازات الزائدة، وانتفاخ البطن، والتجشؤ.
كما تشير بعض الأبحاث إلى أن ممارسة المشي السريع لمدة لا تقل عن 300 دقيقة أسبوعياً قد ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بسرطانات الجهاز الهضمي، التي تشمل الفم، والحلق، والمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والقولون، والمستقيم، إضافة إلى البنكرياس والمرارة والكبد.
من الفوائد المهمة الأخرى للمشي بعد الوجبات دوره في تحسين تنظيم مستويات السكر في الدم، وهو أمر بالغ الأهمية خصوصاً لمرضى السكري. فقد بيّنت دراسة نُشرت عام 2023 أن المشي خلال 30 دقيقة بعد تناول الطعام يُعدّ أكثر فعالية في ضبط مستوى السكر مقارنة بالمشي قبل تناول الطعام بنصف ساعة. وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة صغيرة نُشرت عام 2025 أن المشي لمدة 10 دقائق مباشرة بعد الوجبة قد يكون بنفس فعالية المشي لمدة 30 دقيقة بعد مرور 30 دقيقة على تناول الطعام. ورغم أن هذا التأثير يبدو أكثر وضوحاً لدى مرضى السكري، فإن الأفراد الأصحاء قد يستفيدون أيضاً من هذه العادة في تقليل تقلبات السكر في الدم.
وتشير دراسة أقدم من عام 2018 إلى أن ممارسة نشاط بدني خفيف قبل تناول الطعام مباشرة قد تكون أكثر فاعلية من التمارين الأكثر شدة بعده.
يرتبط النشاط البدني بشكل وثيق بصحة القلب، ويُعدّ المشي بعد الوجبات وسيلة بسيطة لدعم هذه الصحة، إذ قد يُسهم في تقليل الالتهابات وخفض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وتُظهر الأبحاث أن ممارسة الرياضة بانتظام يمكن أن تساعد في خفض ضغط الدم ومستويات الكوليسترول الضار (LDL)، إضافة إلى تقليل خطر الإصابة بالسكتات الدماغية أو النوبات القلبية. وتوصي جمعية القلب الأميركية بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني متوسط الشدة أسبوعياً، ويمكن تحقيق ذلك بسهولة من خلال المشي لمدة 10 دقائق بعد كل وجبة، ثلاث مرات يومياً، على مدار خمسة أيام في الأسبوع.
يلعب المشي المنتظم دوراً مهماً في إدارة الوزن، إلى جانب اتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على قسط كافٍ من النوم، والتحكم في مستويات التوتر. ويُعدّ تحقيق عجز في السعرات الحرارية – أي حرق سعرات أكثر مما يتم استهلاكه – العامل الأساسي في فقدان الوزن. ويمكن للمشي بعد تناول الطعام أن يُسهم في تحقيق هذا الهدف من خلال زيادة معدل حرق السعرات. فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2021 أن المشي لمسافة 1.6 كيلومتر (ميل واحد) يساعد على حرق ما بين 100 و112 سعرة حرارية في المتوسط.
نوصي بقراءة: اكتئاب الوالدين يزيد من مشكلات النوم لدى الأطفال
على الرغم من أن المشي بعد تناول الطعام يُعدّ آمناً في معظم الحالات، فإنه قد يسبب لدى بعض الأشخاص أعراضاً هضمية غير مريحة، مثل:
– الشعور بانزعاج أو تقلصات في البطن.
– عسر الهضم.
– الغثيان.
– الغازات.
– الانتفاخ.
وتحدث هذه الأعراض غالباً نتيجة تحرك الطعام داخل المعدة قبل اكتمال عملية الهضم، مما قد يخلق شعوراً بعدم الراحة.
وفي حال ظهور هذه الأعراض، يُنصح بالانتظار لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة بعد تناول الطعام قبل البدء في المشي، مع الحفاظ على وتيرة خفيفة ومعتدلة.
رغم بساطة هذه العادة، فإن المشي بعد تناول الطعام قد يحمل فوائد صحية متعددة، تتراوح بين تحسين الهضم وتنظيم مستوى السكر في الدم، وصولاً إلى دعم صحة القلب والمساعدة في التحكم بالوزن. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد تأثيراته بدقة، خاصة فيما يتعلق بإنقاص الوزن.

