هددت إيران باستهداف شمال إسرائيل إذا نفذت تل أبيب تهديدها بقصف بيروت وضاحيتها الجنوبية، في تصعيد تزامن مع وقف طهران تبادل الرسائل غير المباشرة مع الولايات المتحدة، وربط استئناف الاتصالات بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة. وحذرت من أن أي خرق لوقف إطلاق النار على الجبهات الإقليمية سينعكس مباشرة على مسار أي تفاهم محتمل.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال إن إسرائيل لن ترسل قوات إلى بيروت، عقب اتصال مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن المحادثات مع إيران «مستمرة بوتيرة سريعة».
وكتبت على «تروث سوشيال»: «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة» مع طهران. وجاء تأكيده بعدما قال لشبكة «إن بي سي نيوز» في اتصال هاتفي مقتضب إنه لم يتلقَّ بلاغاً مسبقاً بالقرار الإيراني لوقف المفاوضات. وأضاف: «هذا أمر مناسب أن يقولوه؛ لأنهم مفاوضون أفضل مما هم مقاتلون». وتابع: «هذا لا يعني أننا سنذهب ونبدأ بإلقاء القنابل في كل مكان هناك»، مضيفاً: «سنُبقي الحصار».
ونقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصادر لم تسمها، أن إيران تعتزم وقف «الحوار وتبادل النصوص عبر الوسيط» مع الولايات المتحدة، احتجاجاً على استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة.
وقالت الوكالة إن القرار يأتي بعد ما وصفته بانتهاك وقف إطلاق النار «على جميع الجبهات»، بما في ذلك لبنان، مشيرة إلى أن إدراج لبنان ضمن شروط التهدئة كان من المطالب الإيرانية في مسار التفاوض.
إيرانيون يسيرون أمام لوحة معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في العاصمة طهران الاثنين (رويترز)
وأضافت «تسنيم» أن المسؤولين والمفاوضين الإيرانيين يشددون على وقف فوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، وانسحاب إسرائيل الكامل من المناطق التي احتلتها في لبنان، عادّةً أنه «لن تكون هناك محادثات» ما لم تتحقق مطالب إيران، وما سمته «المقاومة»، في هذا الملف.
كما أفادت الوكالة بأن إيران وفصائل «محور المقاومة» تدرسان، في إطار الرد، إغلاق مضيق هرمز بالكامل، وتفعيل جبهات أخرى، بينها مضيق باب المندب، لمعاقبة إسرائيل وداعميها. ولم يصدر بعد تأكيد رسمي من وزارة الخارجية الإيرانية أو مكتب كبير المفاوضين بشأن وقف تبادل الرسائل مع واشنطن.
وجاء الإعلان عن تجميد الاتصالات بعدما كثفت باكستان، التي تضطلع بدور الوسيط بين طهران وواشنطن، اتصالاتها خلال الأيام الماضية في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار ودفع المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.
وأجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالين هاتفيين منفصلين مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير. وقالت «الخارجية الإيرانية» في بيان إن عراقجي بحث مع المسؤولين الباكستانيين التطورات الإقليمية والمسارات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
كما أجرى عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناولت آخر التطورات الإقليمية والتصعيد الإسرائيلي في لبنان وتداعياته.
وجاءت الاتصالات بعدما كتب عراقجي في منشور على منصة «إكس» أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة يشمل «جميع الجبهات»، بما في ذلك لبنان، محذراً من أن أي خرق على جبهة واحدة سيُعدّ خرقاً للاتفاق برمته.
وأضاف عراقجي أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحملان مسؤولية عواقب أي انتهاك لوقف إطلاق النار.
ومن جانبه، قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف، إن الحصار البحري وتصعيد ما وصفه بـ«جرائم الحرب» في لبنان يمثلان «دليلاً واضحاً» على عدم التزام واشنطن بوقف إطلاق النار.
وأضاف قاليباف، في منشور على منصة «إكس»، أن «لكل خيار ثمناً»، مشيراً إلى أن «وقت دفع الحساب سيأتي».
ولاحقاً، قال قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة» اللواء الطيار علي عبداللهي، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدد بقصف الضاحية الجنوبية وبيروت، ووجّه إنذارات إخلاء لسكانهما.
وحذر عبداللهي سكان المناطق الشمالية والمستوطنات العسكرية في إسرائيل من البقاء في مناطقهم إذا كانوا لا يريدون التعرض للأذى، وذلك في حال نفذت إسرائيل تهديدها بقصف بيروت والضاحية الجنوبية. وقال إن التحذير يأتي في ضوء ما وصفه بـ«الانتهاكات المتكررة» لوقف إطلاق النار من جانب إسرائيل.
وفي سياق التحذيرات، كتب حساب منسوب إلى جهاز استخبارات «الحرس الثوري» على منصة «إكس»، أن تجاوز ما وصفه بـ«الخطوط الحمراء» في لبنان وغزة يعني حرباً مباشرة وفرض تكلفة على الأمن القومي للطرف المقابل، مضيفاً أن «المقاومة» عازمة على تنفيذ عمليات دفاعية وفتح جبهات جديدة من شأنها قلب معادلات الصراع القائمة، إلى جانب الحفاظ على معادلة مضيق هرمز. واختتم المنشور بالقول: «من يزرع الريح يحصد الطوفان».
ومن جانبه، قال القيادي في «الحرس الثوري» ومستشار المرشد الإيراني، محسن رضائي، على منصة «إكس»، إن «مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران»، مؤكداً أن طهران «لن تسمح باستمرار الحصار البحري». وأضاف أن إيران لن تقبل أيضاً بتصعيد التوتر في لبنان، محذراً من أن «صبر القوات المسلحة الإيرانية له حدود».
وكان المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية»، إسماعيل بقائي، قد قال صباح الاثنين، إن وقف إطلاق النار في لبنان يشكل جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق نهائي لإنهاء الحرب.
واتهم بقائي إسرائيل بمواصلة خرق التهدئة في لبنان، عادّاً أن التصرفات الإسرائيلية في لبنان والمنطقة لا يمكن فصلها عن السياسات الأميركية.
وجاءت هذه المواقف بعدما شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً جديداً، بعد استئناف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، مما دفع طهران إلى التشديد على ضرورة تضمين أي تسوية شاملة ترتيبات واضحة تخص الجبهة اللبنانية.
بقائي خلال مؤتمر صحافي الاثنين 1 يونيو 2026 (الحكومة الإيرانية)
قد يهمك أيضًا: بعد انخفاض المحصول بسبب الجفاف.. عجز في وردات القمح من المزارعين الإيرانيين 35%
وأرجعت طهران، الاثنين، تباطؤ المسار الدبلوماسي إلى انعدام الثقة، وتضارب المواقف الأميركية، واستمرار التوترات العسكرية في المنطقة.
وقال بقائي إن تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن لا يزال مستمراً، لكنه يجري في أجواء من «سوء الظن والارتياب الشديد»، مؤكداً أن المفاوضات بدأت أصلاً في ظل شكوك عميقة، ولم تصل بعد إلى مرحلة الحسم.
واتهم بقائي الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق النار عبر هجمات قال إنها استهدفت مناطق جنوب إيران، عادّاً أن هذه العمليات تعزز مناخ انعدام الثقة، وتمنح بلاده حق اتخاذ إجراءات دفاعية مقابلة.
وأضاف بقائي أن الدبلوماسية لا تعني بالضرورة وجود ثقة بين الأطراف، ولا تُعدُّ نتاجاً لها، عادّاً أن أحد أبرز أسباب تعثر التقدم يتمثل فيما وصفه بـ«التغييرات المتكررة في المواقف الأميركية، وطرح مطالب جديدة أو متناقضة».
وقال إن طهران تنظر إلى الرسائل الإعلامية والسياسية الصادرة من واشنطن بوصفها عاملاً يطيل أمد المفاوضات، ويعقّد الوصول إلى تفاهم نهائي.
وتابع بقائي أنه «إذا كانت الرسائل المتضاربة جزءاً من تكتيك تفاوضي أميركي، فإنها لن تجدي نفعاً مع إيران، أما إذا كانت تعكس حالة من الفوضى داخل الإدارة الأميركية، فإنه سيتعين على واشنطن أن تتخذ موقفاً واضحاً وحاسماً في أسرع وقت ممكن».
وتتمسك طهران بمطلب الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وقال بقائي إنه «مطلب قطعي» للجمهورية الإسلامية.
وقال إن طهران لا تسعى إلى الحصول على امتيازات إضافية، بل إلى استعادة أموال تعدها حقاً للشعب الإيراني، جرى تجميده أو تقييده خلال السنوات الماضية بفعل العقوبات والإجراءات الأميركية.
وفيما يتعلق بالضمانات القانونية لأي اتفاق محتمل، رفض بقائي عدّ صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي ضمانة كافية لتنفيذ التفاهمات المستقبلية.
وقال إن مجرد منح الاتفاق غطاءً قانونياً عبر الأمم المتحدة لا يعني أن إيران تنظر إليه بوصفه ضماناً فعلياً، في إشارة إلى استمرار الشكوك الإيرانية الناتجة عن تجربة الاتفاق النووي لعام 2015.
كما نفى وجود أي آلية مطروحة حالياً تشبه «آلية الزناد» التي كانت جزءاً من اتفاق 2015، مؤكداً أن المباحثات لم تصل بعد إلى مستوى من التفصيل يسمح بمناقشة مثل هذه القضايا.
وفي ملف الملاحة، حذَّر بقائي من أي تدخل محتمل لحلف شمال الأطلسي في الخليج العربي أو بحر عمان أو مضيق هرمز، قائلاً إن هذه الخطوات لن تؤدي إلا إلى تعقيد الوضع الإقليمي وزيادة المخاطر الأمنية.
كما اتهم الولايات المتحدة بممارسة ما وصفه بـ«القرصنة البحرية» عبر اعتراض سفن تجارية مرتبطة بإيران أو متجهة إليها.
وقال إن هذه الإجراءات «تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وخرقاً لوقف إطلاق النار»، لافتاً إلى أن «طهران اتخذت، وستواصل اتخاذ، إجراءات مضادة دفاعاً عن مصالحها وحقوقها الوطنية».
وفي المقابل، عرض بقائي الطروحات الإيرانية لإدارة مضيق هرمز بعد الحرب، موضحاً أن طهران تجري مشاورات مستمرة مع سلطنة عمان لصياغة ترتيبات جديدة، تضمن أمن الملاحة، وتحول دون استخدام المضيق للإضرار بالأمن القومي الإيراني.
وقال إن المحادثات مع مسقط تسير بصورة إيجابية، وإن عمان تشارك إيران كثيراً في مخاوفها المرتبطة بالمضيق.
وأضاف أن الهدف هو التوصل إلى آلية تضمن العبور الآمن للسفن، وفي الوقت نفسه تمنع استغلال الممر المائي في أي أنشطة تعدّها طهران تهديداً مباشراً لأمنها.
إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)
وفي هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية كاظم غريب آبادي إن مضيق هرمز لا يضم سوى دولتين ساحليتين هما إيران وسلطنة عمان، وإن أي ترتيبات قانونية أو تشغيلية تتعلق بالمضيق يجب أن تتم بالتنسيق الكامل بينهما.
وأضاف غريب آبادي في تصريحات للتلفزيون الرسمي أن إيران وضعت خلال الحرب ترتيبات جديدة لمراقبة حركة العبور، ولن تسمح لأي طرف خارجي بالتدخل فيها، متهماً الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على عمان وانتهاك القانون الدولي.
وأفاد بأن المشاورات بين طهران ومسقط حققت تقدماً جيداً، وأن البلدين يتمسكان بـ«حقوقهما السيادية» في إدارة أحد أهم الممرات المائية في العالم.
لكن خبراء قانونيين غربيين يجادلون بأن مضيق هرمز لا يُعامل قانونياً بأنه مياه داخلية خاضعة لسيطرة دولة واحدة، بل بوصفه مضيقاً دولياً يربط بين مساحات بحرية دولية.
ويقول الخبراء إن حق إيران وعُمان في ممارسة السيادة على مياههما الإقليمية يظل مقيداً بالتزامات تضمن حرية المرور العابر، وعدم تعطيل حركة الملاحة الدولية.

