أكد وليد فاروق، رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، أن الساحة الحقوقية الدولية تشهد خلال المرحلة الراهنة تحولات متسارعة فرضتها المتغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وما ترتب عليها من تراجع قدرة بعض التيارات السياسية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، على الحركة والتأثير داخل عدد من الدوائر الإقليمية والدولية.
وقال فاروق، في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، إن هذه المتغيرات تطرح تساؤلات مهمة بشأن مستقبل الكيانات والمنظمات الحقوقية التي تأسست على أيدي عناصر محسوبة على الجماعة أو ارتبطت تاريخيًا بخطابها السياسي وتحركاتها الخارجية.
وأوضح رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات أن المشهد الحالي لا يعكس وجود مراجعات فكرية عميقة أو تحولات جوهرية في طبيعة هذه الكيانات أو أهدافها الأساسية، بقدر ما يعبر عن مرحلة إعادة تموضع فرضتها التطورات السياسية الجديدة وتراجع المساحات التي كانت متاحة لها خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن التجارب السياسية المختلفة تؤكد أن التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي لا تتخلى بسهولة عن شبكاتها الممتدة أو أدوات تأثيرها التي نجحت في بنائها داخل المؤسسات الدولية ومنصات المناصرة العالمية، وإنما تعيد ترتيب أولوياتها وتطوير أساليب عملها بما يتوافق مع المتغيرات الراهنة.
وأشار فاروق إلى أن عددًا من هذه الكيانات نشأ في ظروف سياسية معروفة، وكان جزءًا من فلسفة تأسيسه تقديم خطاب حقوقي ومدني يخدم رؤى ومصالح الجماعة السياسية، وهو ما أدى إلى ظهور حالة من التداخل بين العمل الحقوقي والنشاط السياسي.
وأكد أن هذا التداخل أثار على مدار سنوات تساؤلات متكررة حول مدى استقلالية بعض المؤسسات الحقوقية وقدرتها على الالتزام بمبادئ الحياد وعدم الانتقائية في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، بغض النظر عن هوية الأطراف المعنية أو الخلفيات السياسية المرتبطة بها.
ولفت إلى أن الحركة الحقوقية الدولية كان من المفترض أن تظل بعيدة عن الاستقطابات السياسية والصراعات الحزبية، وأن تستند فقط إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إلا أن السنوات التي أعقبت ما عُرف بالربيع العربي شهدت توسعًا ملحوظًا في توظيف الخطاب الحقوقي داخل صراعات سياسية وأيديولوجية معقدة.
وأوضح أن هذا الأمر انعكس سلبًا على صورة بعض المؤسسات التي تعرضت لانتقادات واسعة بسبب ما اعتبره مراقبون انحيازًا أو انتقائية في التعامل مع بعض الملفات الحقوقية دون غيرها.
وأكد فاروق أن تراجع النشاط العلني لبعض الكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان خلال الفترة الحالية لا ينبغي تفسيره باعتباره انسحابًا نهائيًا من المشهد الحقوقي الدولي، مشيرًا إلى أن القراءة الواقعية ترجح أن تكون هذه المرحلة بمثابة فترة لإعادة التنظيم وترتيب العلاقات وشبكات التأثير الدولية.
نوصي بقراءة: أمين عام مجلس الشيوخ: 192 نائبًا استلموا الكارنيه.. والفصل التشريعى يبدأ 18 أكتوبر (فيديو)
وأضاف أن العديد من هذه الكيانات قد تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى استعادة حضورها تدريجيًا من خلال تبني خطاب حقوقي يبدو منسجمًا مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، إلا أن تقييم أدائها يجب أن يستند إلى الممارسة الفعلية وليس إلى الشعارات أو البيانات الصادرة عنها.
وتوقع رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات أن تشهد الفترات المرتبطة بمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مصر نشاطًا متزايدًا لبعض هذه الكيانات، سواء من خلال المشاركة في الفعاليات الدولية أو عبر التفاعل مع آليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة.
وأشار إلى أن هذه المحطات تمثل فرصًا مهمة لإعادة طرح سرديات سياسية في إطار حقوقي، ومحاولة توجيه الاهتمام الدولي نحو ملفات محددة بما يتوافق مع المواقف التي تبنتها هذه الكيانات خلال السنوات الماضية.
وأوضح فاروق أن جماعة الإخوان أدركت منذ سنوات أهمية المجال الحقوقي الدولي باعتباره إحدى أدوات التأثير في الرأي العام العالمي ودوائر صنع القرار، ولذلك اتجهت إلى الاستثمار في هذا المجال من خلال الدفع بعناصرها أو المقربين منها إلى مساحات العمل الحقوقي والمدني بهدف بناء حضور مؤثر ومستدام داخل المؤسسات الدولية.
وأكد أن تراجع النشاط الظاهر لبعض الكيانات لا يعني بالضرورة انتهاء هذا الحضور أو تفكيك الشبكات التي جرى تأسيسها على مدار سنوات طويلة.
وشدد فاروق على أن التحدي الحقيقي أمام الحركة الحقوقية الدولية يتمثل في تعزيز معايير الشفافية والاستقلالية والإفصاح عن مصادر التمويل وآليات الحوكمة والخلفيات المؤسسية للمنظمات العاملة في المجال الحقوقي.
وأوضح أن زيادة مستويات الشفافية تسهم في تعزيز الثقة العامة في العمل الحقوقي وتحد من فرص توظيفه لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية تتعارض مع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان.
واختتم رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات تصريحاته بالتأكيد على أن مصداقية أي منظمة حقوقية لا تقاس بقدرتها على إصدار البيانات أو جذب الاهتمام الإعلامي، وإنما بمدى التزامها العملي بالمبادئ الحقوقية ذاتها تجاه الجميع دون استثناء.
وأكد أن مراقبة الأداء الفعلي لهذه الكيانات خلال المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية من متابعة الخطاب الذي تطرحه، لأن الممارسة وحدها هي القادرة على كشف حقيقة التوجهات والأهداف، وتحديد ما إذا كانت هناك مراجعات حقيقية أم مجرد إعادة تموضع مؤقت في انتظار ظروف أكثر ملاءمة للعودة إلى الأدوار السابقة.

