أكد الدكتور محمد ممدوح رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وأمين لجنة الحقوق الاقتصادية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، أن أحد أخطر التحديات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان على المستوى الدولي خلال السنوات الأخيرة لا يتمثل فقط في الانتهاكات أو الأزمات الإنسانية، وإنما في محاولات بعض التنظيمات السياسية والجماعات المؤدلجة اختطاف الخطاب الحقوقي وتوظيفه كأداة للصراع السياسي والضغط على الدول والحكومات.
وقال ممدوح إن العالم شهد خلال العقود الماضية تحولًا لافتًا في طبيعة الصراعات السياسية، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على المجال السياسي التقليدي، وإنما امتدت إلى ساحات جديدة من بينها الإعلام الدولي، والمنظمات غير الحكومية، وبعض المنصات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، والتي أصبحت في بعض الحالات جزءًا من معارك النفوذ والاستقطاب السياسي.
وأشار ممدوح؛ إلى أن المتابع للتجارب الدولية المختلفة يكتشف أن هذه الظاهرة ليست مرتبطة بدولة بعينها، فقد شهدت بعض دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي استخدام بعض الكيانات التي رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان كجزء من صراعات سياسية داخلية بين قوى متنافسة على السلطة والنفوذ، كما شهدت دول في أمريكا اللاتينية توظيف الملف الحقوقي من جانب تيارات سياسية متعارضة في إطار معاركها الداخلية ومحاولاتها لحشد الدعم والتأييد الخارجي ضد خصومها ، وأضاف أن العديد من الدراسات والكتابات الدولية تناولت كذلك ظاهرة ما يعرف بالمنظمات الواجهة أو الكيانات التي تقدم نفسها باعتبارها جزءًا من المجتمع المدني المستقل، بينما تمارس في الواقع أدوارًا سياسية أو أيديولوجية تتجاوز بكثير حدود العمل الحقوقي المهني، الأمر الذي أثار نقاشات واسعة داخل الأوساط الدولية حول ضرورة التفرقة بين العمل الحقوقي الحقيقي وبين محاولات توظيفه لتحقيق أهداف سياسية.
وأشار الخبير الحقوقى؛ إلى أن منطقة الشرق الأوسط لم تكن بعيدة عن هذه الظاهرة، حيث لجأت بعض التنظيمات السياسية بعد تراجع قدرتها على التأثير داخل المجال العام أو فقدانها للحاضنة الشعبية إلى نقل جزء من معاركها إلى الخارج عبر الاستثمار في الخطاب الحقوقي والإعلامي ومحاولة توظيفه كوسيلة للضغط السياسي.
وأكد ممدوح أن جماعة الإخوان تمثل نموذجًا واضحًا لهذا المسار في الحالة المصرية، إذ اتجهت خلال السنوات الماضية إلى الاعتماد بشكل متزايد على المنصات الإعلامية وبعض الكيانات التي تتبنى خطابًا حقوقيًا بهدف التأثير على الرأي العام الخارجي وصناع القرار الدوليين في محاولة لإعادة إنتاج حضورها السياسي عبر أدوات مختلفة عن تلك التي فقدت فاعليتها داخل المجتمع المصري.
تصفح أيضًا: القانون يحدد مدة عضوية الهيئة الوطنية للصحافة.. تعرف عليها
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في النقد الحقوقي أو في وجود ملاحظات على أوضاع حقوق الإنسان، فالنقد الموضوعي أحد أهم أدوات الإصلاح والتطوير، كما أنه يمثل جزءًا أصيلًا من الدور الذي تقوم به المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وفقًا للمعايير الدولية ومبادئ باريس، إلا أن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما يتحول العمل الحقوقي إلى خطاب انتقائي يبحث فقط عن الوقائع التي تخدم سردية سياسية محددة، ويتجاهل في المقابل أي تطورات أو إصلاحات أو جهود تُبذل على أرض الواقع.
وأضاف أن المنهج الحقوقي السليم يقوم على الرصد والتوثيق والتحقق والاستماع إلى جميع الأطراف، بينما تعتمد المنهجيات المؤدلجة على تبني نتائج مسبقة ثم البحث عما يدعمها من وقائع أو معلومات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة في الخطاب الحقوقي وإضعاف مصداقية المؤسسات التي تتبناه.
وأشار إلى أن عددًا من الدول حول العالم واجهت تحديات مشابهة عندما سعت جماعات انفصالية أو حركات راديكالية أو تنظيمات سياسية فقدت قدرتها على الحشد الشعبي إلى استخدام آليات الضغط الدولية والمنصات الحقوقية والإعلامية كبديل عن العمل السياسي التقليدي، وهو ما يؤكد أن الظاهرة ذات طابع عالمي ولا تقتصر على دولة أو منطقة بعينها.
وشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون من خلال التضييق على المجتمع المدني أو التشكيك في أهمية العمل الحقوقي، وإنما من خلال دعم المؤسسات الحقوقية الجادة، وتعزيز الشفافية، وتوسيع نطاق إتاحة المعلومات، وتمكين المؤسسات الوطنية المستقلة من أداء دورها الرقابي والاستشاري وفقًا للمعايير الدولية المعترف بها.
وأكد أن قوة أي دولة في مواجهة حملات التشويه لا تُقاس بقدرتها على الرد الإعلامي فقط، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتحقيق تقدم حقيقي في ملفات الحقوق والحريات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل الحقائق على الأرض هي الرد الأقوى على أي محاولات للتشويه أو التوظيف السياسي.
مختتماً تصريحه بالتأكيد على أن المعركة الحقيقية التي يواجهها العالم اليوم ليست فقط معركة معلومات أو روايات متنافسة، بل هي معركة على مصداقية الخطاب الحقوقي ذاته، محذرًا من أن استمرار تسييس حقوق الإنسان وتحويلها إلى أداة للصراع بين التنظيمات والدول من شأنه أن يضر بالضحايا الحقيقيين ويقوض الثقة في المنظومة الحقوقية الدولية، مؤكدًا أن الدفاع عن حقوق الإنسان يبدأ أولًا بالحفاظ على استقلالية ونزاهة العمل الحقوقي نفسه، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو أيديولوجي .

