لم تكن بطولة كأس العالم في قطر مجرد حدث رياضي يُضاف إلى سجلات كرة القدم، بل كانت بمثابة الرواية الأكثر إثارة في تاريخ اللعبة؛ رواية بحث فيها بطل واحد عن القطعة المفقودة ليُتوّج ملكًا غير متوّج على عرش الساحرة المستديرة.
وعلى مدار سنوات، طاردت الصحافة والجماهير ليونيل ميسي بلقب ينقصه لتجاوز مقارنات الماضي، وكان المونديال القطري هو المسرح المثالي ليرد الساحر الأرجنتيني على جميع المشككين بأقدام من ذهب وعزيمة لا تلين.
ومنذ صافرة البداية وحتى اللحظة التاريخية في استاد لوسيل، حمل ميسي آمال ملايين المشجعين من أمريكا الجنوبية إلى الخليج العربي، مرورًا بمحبيه في مصر وشمال إفريقيا والعراق.
ولم يكن يقود فريقًا فحسب، بل كان يقود شغفًا عالميًا اجتذب حتى من لا ينتمون إلى الأرجنتين، لتتحول كل مباراة لمنتخب التانغو إلى ملحمة كروية تترقب الجماهير فصولها بشغف وحبس للأنفاس.
ولم يكن تتويج البرغوث الأرجنتيني بجائزة أفضل لاعب في كأس العالم مجرد اختيار من لجنة فنية، بل كان اعترافًا من كرة القدم نفسها بأنها أنصفت لاعبًا منحها كل شيء.
وفي هذا التقرير، نستعرض الرحلة الدرامية للمنتخب الأرجنتيني، والأرقام الاستثنائية التي حققها ميسي، والمشاهد الخالدة التي ستبقى محفورة في ذاكرة كل من عاصر هذه النسخة التاريخية.
بدأت رحلة المنتخب الأرجنتيني في المونديال بانتكاسة تاريخية صدمت الشارع الرياضي العالمي، عندما تلقى الفريق خسارة مفاجئة أمام المنتخب السعودي في الجولة الأولى.
تلك الهزيمة التي اعتبرها البعض نهاية مبكرة لأحلام التانجو تحولت، بفضل حنكة المدرب ليونيل سكالوني وقوة شخصية ليونيل ميسي، إلى نقطة تحول كبرى أعادت ترتيب الأوراق ومنحت اللاعبين جرعة إضافية من التحدي والمسؤولية.
تصفح أيضًا: جوارديولا يعلن غياب ثنائي مانشستر سيتي عن مواجهة بيرنلي
وانتفض رفاق ميسي سريعًا، ونجحوا في عبور دور المجموعات بعد الفوز على المكسيك وبولندا، لتنطلق بعدها رحلة الأدوار الإقصائية بصلابة دفاعية ومرونة هجومية لافتة.
وتجاوزت الأرجنتين عقبة أستراليا، ثم أطاحت بهولندا في مباراة درامية حُسمت بركلات الترجيح، قبل أن تقدم عرضًا قويًا أمام كرواتيا في نصف النهائي، وصولًا إلى المباراة النهائية التاريخية أمام فرنسا، والتي تُصنف لدى كثيرين كأفضل نهائي في تاريخ كأس العالم، حيث تُوج التانجو باللقب الثالث في تاريخه بعد مواجهة حبست أنفاس الملايين.
قدم ليونيل ميسي بطولة استثنائية على المستويين التهديفي وصناعة اللعب، حيث نجح في تسجيل 7 أهداف خلال منافسات البطولة، من بينها هدفان في شباك المنتخب الفرنسي خلال المباراة النهائية.
ولم يكتفِ بالتسجيل، بل صنع 3 أهداف حاسمة لزملائه، ليساهم بصورة مباشرة في 10 أهداف من إجمالي أهداف المنتخب الأرجنتيني في البطولة.
وحطم النجم الأرجنتيني العديد من الأرقام القياسية التاريخية، إذ أصبح اللاعب الأكثر مشاركة في تاريخ كأس العالم برصيد 26 مباراة، كما بات أول لاعب في تاريخ البطولة يسجل في جميع الأدوار الإقصائية بنظامها الحديث، بداية من دور الستة عشر مرورًا بربع النهائي ونصف النهائي وصولًا إلى النهائي، ليتوج بجائزة أفضل لاعب في البطولة عن جدارة واستحقاق.
من بين جميع التفاصيل التكتيكية، ستبقى التمريرة الحاسمة التي صنع منها الأرجنتين هدفها الثاني أمام هولندا في ربع النهائي خالدة كواحدة من أعظم التمريرات في تاريخ اللعبة.
ففي تلك اللحظة، كان ميسي محاصرًا بعدد من المدافعين الهولنديين، وبدا أن جميع زوايا التمرير مغلقة، لكنه أرسل كرة أرضية ساحرة اخترقت الدفاع بأكمله لتصل إلى ناهويل مولينا، الذي أودعها الشباك، في مشهد جسّد عبقرية استثنائية ورؤية لا يمتلكها سوى القلة.
ولم تتوقف عبقرية ميسي عند مواجهة هولندا، بل تجلت مجددًا في نصف النهائي أمام كرواتيا، عندما تلاعب بأحد أبرز مدافعي البطولة، يوشكو جفارديول.
وانطلق قائد الأرجنتين بالكرة قرب خط التماس، قبل أن يراوغ منافسه أكثر من مرة ويخترق منطقة الجزاء بطريقة مذهلة، ثم يمرر الكرة إلى جوليان ألفاريز، الذي أكملها في الشباك، في لقطة أكدت أن الموهبة الخالصة لا تعترف بالعمر أو الفوارق البدنية، وأن ميسي عندما يقرر إظهار سحره، يصبح إيقافه مهمة شبه مستحيلة.

