يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه الأسبوع المقبل، أمام معادلة نقدية شديدة التعقيد؛ حيث يتعين عليه كبح جماح التضخم المتنامي دون السقوط في فخ الركود الاقتصادي، وهو التحدي الذي يسبق اجتماعه المرتقب لإقرار رفع حاسم لأسعار الفائدة.
وتأتي هذه الخطوة لتجعل من «المركزي الأوروبي» أول بنك مركزي بين الاقتصادات الكبرى يتجه نحو تشديد السياسة النقدية منذ أن أشعلت الحرب الأخيرة أزمة طاقة جديدة، غير أنها تصطدم بواقع اقتصادي يبدو أكثر هشاشة مقارنة بعام 2022. وفيما يرى مراقبون أن قرار يونيو (حزيران) بات محسوماً لترسيخ مصداقية البنك، فإن الترقب يتزايد حول قدرة صناع السياسة النقدية على ضبط الأسعار وتوقعات المستهلكين، في وقت تحاصر فيه المنطقة تداعيات تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب ملفات مستجدة تراوح بين مخاطر الائتمان الخاص والهواجس السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الخطوة الجريئة في توقيت يبدو فيه الاقتصاد الأوروبي أكثر إنهاكاً وهشاشة مقارنة بأزمة الطاقة التي عصفت بالمنطقة عام 2022، ما يضع صنّاع السياسة النقدية أمام اختبار دقيق ومعادلة صعبة؛ تستهدف كبح جماح التضخم المتنامي في قطاع الخدمات وحماية التوقعات طويلة الأجل، دون الانزلاق بالاقتصاد نحو تباطؤ أعمق.
وفيما تترقب الأسواق القرار، تبرز 5 ملفات رئيسية ترسم ملامح المسار المقبل للبنك، بدءاً من تداعيات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً إلى المخاطر السيبرانية الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يبدو قرار رفع أسعار الفائدة في يونيو الحالي، أمراً محسوماً إلى حد كبير؛ إذ يحظى بدعم حتى من أعضاء مجلس المحافظين المعروفين بمواقفهم الأكثر ميلاً للتيسير النقدي، مثل الإيطالي فابيو بانيتا واليوناني يانيس ستورناراس.
ومع ذلك، لا يُتوقع أن يلتزم البنك المركزي الأوروبي مسبقاً بمسار تشديد إضافي بعد قرار الخميس، مفضلاً الإبقاء على مرونته في ضوء التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة.
ستعتمد الخطوات المقبلة لما بعد اجتماع يونيو بشكل كبير على تطورات الصراع في الشرق الأوسط، ومدة استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يعدّ أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة العالمية. وعلى عكس دورة التشديد الحادة التي شهدها عام 2022، تتوقع الأسواق حالياً رفعاً أو اثنين إضافيين فقط خلال ما تبقى من العام، في خطوة تهدف أساساً إلى ترسيخ مصداقية البنك المركزي الأوروبي في مكافحة التضخم.
ناقلة نفط راسية بميناء الفجيرة في ظلّ تضييق الخناق على حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز (رويترز)
وتشير تسعيرات الأسواق إلى أن سبتمبر (أيلول) المقبل هو الموعد الأكثر ترجيحاً للرفع التالي، في حين أظهر استطلاع أجرته «رويترز»، أن 60 في المائة فقط من الاقتصاديين يتوقعون زيادة ثانية هذا العام.
وقد تراجعت رهانات المستثمرين على مزيد من التشديد مع انحسار أسعار النفط نسبياً، بعدما كانت الأسواق قد استوعبت في وقت سابق، إمكانية تنفيذ 3 زيادات إضافية خلال عام 2026.
قد يهمك أيضًا: أسواق أوروبا تتجه لإبقاء الفائدة مرتفعة فترة أطول مع تصاعد صدمة الطاقة
وفي هذا الصدد، أشار راينهارد كلوز، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في بنك «يو بي إس»، إلى أن رفع الفائدة مرتين قد يكون كافياً لتعزيز مصداقية البنك دون التسبب في تباطؤ اقتصادي يفوق الأضرار التي تفرضها بالفعل صدمة أسعار الطاقة الحالية.
من جهة أخرى، تشير البيانات إلى أن الضغوط التضخمية بدأت في الانتشار بمختلف قطاعات الاقتصاد بشكل أوضح مما كان عليه الوضع خلال اجتماع أبريل (نيسان) الماضي؛ فقد ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار)، مدفوعاً بزيادة أسعار الخدمات وعودة التضخم الأساسي – الذي يستثني الغذاء والطاقة – إلى الارتفاع للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. ويرى اقتصاديون أن هذه التطورات قد تشكل مؤشراً أولياً على اتساع نطاق الضغوط السعرية داخل الاقتصاد، رغم أن بعض العوامل الموسمية، مثل عطلة عيد الفصح، ربما أسهم جزئياً في هذه الزيادة، وفي المقابل، تباطأت وتيرة تضخم أسعار الغذاء، ما يدفع الخبراء إلى التريث وانتظار بيانات إضافية قبل استخلاص استنتاجات نهائية.
وتحظى المؤشرات الاستباقية باهتمام خاص لدى صناع السياسات، نظراً لأن انتقال التضخم إلى بقية الاقتصاد يحتاج عادة إلى وقت؛ ففي أعقاب اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، أثار ارتفاع توقعات الشركات لأسعار البيع وارتفاع توقعات التضخم لدى المستهلكين، مخاوف متزايدة بشأن ترسخ الضغوط التضخمية، لكن هذه المخاوف تراجعت نسبياً بعد استقرار توقعات أسعار البيع خلال مايو. كما أظهر تحليل أجرته «رويترز»، أن نحو ثلث أكبر شركات الاتحاد الأوروبي فقط تخطط لرفع الأسعار، وهي نسبة أقل من تلك المسجلة خلال أزمة الطاقة في عام 2022.
كذلك، استقرت توقعات التضخم لدى المستهلكين أو تراجعت خلال أبريل، فيما بقيت التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، وهو ما قد يمنح صناع القرار بعض الطمأنينة.
رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد (رويترز)
وفي هذا الإطار، أوضح كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك «آي إن جي»، أن المؤشرات الواضحة على تأثيرات الجولة الثانية من التضخم لم تظهر بعد في بيانات الأجور أو توقعات التضخم، إلا أن مسؤولي البنك المركزي الأوروبي يؤكدون في الوقت ذاته، أن انتظار ظهور هذه التأثيرات بشكل كامل قد يكون متأخراً جداً لاتخاذ الإجراءات الحمائية اللازمة.
على صعيد التوقعات الاقتصادية الجديدة، من المرجح أن يرفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم، بالتوازي مع خفض تقديرات النمو الاقتصادي، كما سيُحدث البنك السيناريوهات البديلة التي نشرها في مارس (آذار) الماضي، والتي تقيس تأثيرات الصدمات المختلفة على الاقتصاد الأوروبي.
وكانت عضوة المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل، قد أشارت إلى أن المستويات الحالية لأسعار النفط والغاز تضع الاقتصاد بين السيناريو الأساسي والسيناريوهات السلبية، رغم أن أزمة الطاقة الحالية استمرت لفترة أطول مما افترضته السيناريوهات المتشائمة السابقة.
وسيولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لتوقعات التضخم الأساسي، باعتبارها مؤشراً مهماً على مدى قلق البنك المركزي من انتقال الضغوط السعرية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية؛ حيث ذكرت بيا فرومليه، الخبيرة الاقتصادية في بنك «سيب»، أن أي رفع كبير لتوقعات التضخم الأساسي قد يدفع الأسواق مباشرة إلى زيادة رهاناتها على مسار مرتفع لأسعار الفائدة.
فيما يتعلق بملفات المخاطر المستجدة، يرى البنك المركزي الأوروبي حتى الآن، أن منطقة اليورو لا تواجه مخاطر نظامية كبيرة ناجمة عن الاضطرابات الأخيرة في أسواق الائتمان الخاص، نظراً إلى محدودية الانكشاف المباشر للمؤسسات المالية الأوروبية على هذا القطاع، رغم وجود بعض مواطن الضعف في قطاعات محددة. أما على جبهة التقنيات الحديثة، فيتركز الاهتمام بشكل متزايد على المخاطر السيبرانية المرتبطة بالتطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي؛ وفي هذا السياق، أعلن عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي فرنك إلدرسون، أن البنك سيطالب المؤسسات المصرفية رسميّاً بتعزيز إجراءاتها الدفاعية واتخاذ تدابير استباقية صارمة لمواجهة التهديدات السيبرانية المتنامية والمرتبطة بالتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

