الجمعة, يونيو 12, 2026
الرئيسيةالوطن العربيإيرانالقصف يتصاعد بين واشنطن وطهران

القصف يتصاعد بين واشنطن وطهران

تصاعدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، الخميس، مع تبادل الطرفين الهجمات الجوية لليوم الثاني على التوالي، في تطور هدد عملياً بإنهاء وقف إطلاق النار الهش المستمر منذ نحو شهرين، ودفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد، فيما توعد الرئيس دونالد ترمب بشن مزيد من الضربات إذا لم توافق طهران فوراً على اتفاق سلام، رغم وساطات التهدئة.

وبدأ التصعيد الأخير بعد إسقاط مروحية أميركية من طراز «أباتشي» قرب مضيق هرمز، الاثنين، ما فجّر سلسلة هجمات متبادلة داخل إيران وعلى قواعد أميركية في المنطقة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن أحدث موجة من الضربات استهدفت «قدرات المراقبة العسكرية وأنظمة الاتصالات ومواقع الدفاع الجوي» في أنحاء إيران، رداً على ما وصفته بـ«العدوان الإيراني المستمر وغير المبرر».

وجاءت الضربات الأميركية الجديدة بعد ساعات من تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن طهران «ستدفع الثمن» إذا استمرت المفاوضات في التعثر.

وقال ترمب إن الضربات ستتوقف قريباً، لكنه هدد باستئناف «القصف المكثف» إذا لم يوقع القادة الإيرانيون اتفاقاً مع واشنطن فوراً. لكن وكالات قريبة من «الحرس الثوري» نفت أي اتصال إيراني بترمب لطلب وقف الهجمات. وكتب موقع «سباه نيوز» الناطق الرسمي باسم «الحرس الثوري» أن ادعاء ترمب «يُنفى بشدة»، ووصفته بأنه «غطاء للهروب من الحرب».

وبدت الهجمات الأميركية أكثر كثافة واتساعاً من اليوم السابق. ودوّت انفجارات في طهران وبندر عباس وميناب وسيريك وكرج ومناطق أخرى قرب مضيق هرمز، بينما قال «الحرس الثوري» إن مواقع قريبة من العاصمة، بينها كرج غرب العاصمة، تعرضت للقصف أيضاً.

وأعلنت «سنتكوم» لاحقاً انتهاء موجة الضربات، قائلة إن وحدات من مشاة البحرية والقوات الجوية والبحرية الأميركية استخدمت ذخائر دقيقة التوجيه لضرب أهداف قالت إنها كانت تشكل تهديداً للقوات الأميركية وللسفن التجارية الدولية. وقال ترمب في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن الهجوم شمل استخدام 49 صاروخ «توماهوك»، وإن بعض الأهداف كانت على بعد نحو 60 كيلومتراً من طهران.

وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن ثلاثة أشخاص أصيبوا في محافظة طهران من جراء الضربات الأميركية خلال الليل، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن استهداف مجمع تصنيع وثكنة عسكرية وقاعدة محلية لـ«الحرس الثوري» خارج طهران.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع انفجارات إضافية في سيريك وميناب وبندر عباس، إضافة إلى آبيك في قزوين وكرج وإشتهارد وورامين وملارد. كما نقل التلفزيون الإيراني عن مراسله سماع دوي انفجار «في البحر» قبالة سيريك، من دون أن تتضح أسبابه. وفي عسلويه، نفت «إرنا» استهداف منشآت نفطية أو بتروكيميائية، بعد تقارير متضاربة عن اعتراض صاروخ كروز في مسار المنطقة.

وفي المقابل، أعلن «الحرس الثوري» أنه شن هجمات مضادة على 18 هدفاً عسكرياً أميركياً في الكويت والبحرين، بما في ذلك مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، كما أعلن استهداف قاعدة الأزرق الجوية في الأردن لليلة الثانية على التوالي بإطلاق 12 صاروخاً باليستياً.

وقالت «عمليات هيئة الأركان المشتركة» إن توقف الهجمات الأميركية، وفق ما أعلنه ترمب، جاء نتيجة الرد الإيراني «القوي»، مضيفة أن رد القوات المسلحة على «الاعتداءات والشرور الأميركية» سيتواصل.

ونقلت «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن مسؤول عسكري قوله إن إيران «سترد عسكرياً وبحزم على الاعتداءات الأميركية»، مضيفاً أن أي هجوم أميركي سيقابل «برد عسكري حاسم، لا بتنازلات سياسية».

وقال الجيش الأردني إن أنظمة الدفاع الجوي وسلاح الجو الملكي اعترضا 20 صاروخاً إيرانياً أُطلقت باتجاه منطقة الأزرق في محافظة الزرقاء، مضيفاً أن عملية الاعتراض أدت إلى سقوط شظايا من دون وقوع إصابات أو أضرار مادية.

وفي البحرين، قالت وزارة الداخلية إن فتاة تبلغ 11 عاماً أصيبت بجروح طفيفة، بينما اشتعلت النيران في مركبات وتضررت منازل في مدينة حمد والمنامة بعد سقوط حطام ناجم عن اعتراض مسيّرات إيرانية.

أما الكويت فأغلقت مجالها الجوي لساعات بعد الهجوم الإيراني، وقالت إن الرحلات الجوية حُولت إلى مطارات بديلة، فيما أطلقت الدفاعات الجوية الكويتية النار على أهداف واردة مع استمرار التهديدات الإيرانية.

عاد مضيق هرمز ليصبح مركز الصراع الرئيسي بين واشنطن وطهران، مع تمسك إيران بفرض سيطرتها على الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

وحذرت «عمليات هيئة الأركان» الإيرانية و«الحرس الثوري» من أنها ستستهدف أي سفينة تحاول عبور المضيق، بينما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن تعرض سفينتين أميركيتين لإطلاق نار.

وقالت بحرية «الحرس الثوري» إن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً «حتى إشعار آخر» بسبب ما وصفته بـ«الانتهاك المتكرر» لشروط وقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن أي اقتراب من المضيق سيُعد «تعاوناً مع العدو»، محذرة جميع السفن في الخليج العربي وبحر عمان من مغادرة مراسيها.

وقال مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، إن خصوم طهران «يجعلون مضيق هرمز غير آمن»، متوعداً بأن تجعل إيران «المنطقة جحيماً» لهم.

في المقابل، نفت القيادة المركزية الأميركية أن يكون المضيق مغلقاً أو أن أياً من سفنها تعرضت للإصابة، مؤكدة أن السفن التجارية ما زالت تواصل العبور رغم التهديدات الإيرانية.

وقال ترمب إن الجيش الأميركي نفذ منذ الشهر الماضي «مهمة سرية» لتمرير شحنات النفط عبر المضيق بعيداً عن القوات الإيرانية، مضيفاً أن السفن كانت تتحرك ليلاً بمساعدة تدمير معدات الرادار الإيرانية.

وأضاف أن أكثر من 100 مليون برميل نفط تمكنت من تجاوز «قبضة إيران» على المضيق، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط 93 دولاراً للبرميل، بارتفاع يزيد على 25 في المائة منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط).

كما واصلت واشنطن فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية. وقالت القيادة المركزية الأميركية إنها أطلقت النار على ناقلة النفط «سيتيبيلو» التي ترفع علم بالاو بعدما «انتهكت الحصار بمحاولة نقل نفط من إيران».

مروحية تراقب ناقلة نفط في مدخل المحيط الهندي ضمن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية (الجيش الأميركي)

وأكدت الهند لاحقاً مقتل ثلاثة بحارة هنود كانوا على متن الناقلة، فيما أدانت المنظمة البحرية الدولية الهجوم، وقالت إن المنطقة شهدت 43 هجوماً على الشحن الدولي منذ بدء الحرب.

نوصي بقراءة: شي يشيد بدور باكستان في جهود السلام بشأن إيران

وفي حادث منفصل، قالت إيران إن مقذوفاً أميركياً أصاب بارجة شحن إيرانية في خليج عمان كانت تنقل بضائع أساسية من ميناء خصب العماني إلى سيريك، مضيفة أن السفن المارة أنقذت أفراد الطاقم الخمسة ونقلتهم إلى سلطنة عمان.

كما تعرضت ناقلة أخرى قرب موقع استهداف «سيتيبيلو» قبالة عمان لحريق في غرفة المحركات، وسط شبهات أولية بتعرضها لهجوم جديد.

وأصبح التصعيد البحري أحد أخطر عناصر النزاع، مع ارتفاع المخاوف من تعطل أوسع لحركة الطاقة العالمية، في وقت يواجه فيه البيت الأبيض ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبية ترمب.

وأظهرت استطلاعات رأي أميركية تراجع معدلات تأييد الرئيس الأميركي، فيما أعرب بعض الجمهوريين عن قلقهم من أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ورغم التصعيد العسكري، استمرت الاتصالات السياسية خلف الكواليس. وغادر وفد دبلوماسي قطري طهران صباح الخميس بعد محادثات مع مسؤولين إيرانيين استمرت حتى الساعات الأولى من الصباح، وفق دبلوماسي مطلع قال إن المباحثات جرت «بالتنسيق مع الولايات المتحدة».

كما نقل تقرير لشبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة أن المحادثات الرامية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران لا تزال «على مسارها» رغم تبادل الضربات بين الجانبين.

لكن الخلافات الجوهرية بقيت من دون حل. فالولايات المتحدة تطالب إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، إضافة إلى إنهاء القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز.

في المقابل، تطالب طهران برفع العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، كما تصر على أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان وإنهاء الحرب مع «حزب الله».

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن الضربات تهدف إلى «تعزيز الموقف الدبلوماسي» لواشنطن، مضيفاً خلال زيارة إلى القيادة المركزية الأميركية في فلوريدا: «سنضربهم بقوة الليلة، وإذا احتجنا إلى التفاوض بالقنابل فسنتفاوض بالقنابل».

أما وزارة الخارجية الإيرانية فقالت إن الضربات الأميركية الأخيرة جعلت وقف إطلاق النار «بلا معنى عملي»، ووصفت الهجمات بأنها «غير قانونية وإجرامية».

وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن الولايات المتحدة استهدفت خزانات مياه كانت تزود 10 قرى بمياه الشرب، مضيفاً: «هذه ليست أضراراً جانبية، بل جريمة حرب محسوبة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان».

ورفض مندوب إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني تهديدات ترمب، قائلاً إنه «لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق قابل للاستمرار من خلال التهديد والترهيب واستخدام القوة».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إن الهجمات الأميركية تمثل «انتهاكاً واضحاً» لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مضيفاً أن واشنطن جعلت وقف إطلاق النار «بلا أثر عملي». كما حذر من أن «صمت» الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تجاه الضربات الأميركية سيؤدي إلى مزيد من انعدام الأمن على المستويين الإقليمي والعالمي.

وقالت كالاس، إنها بحثت مع عراقجي أحدث التصعيدات في الشرق الأوسط، مؤكدة مجدداً ضرورة إيجاد مخرج دبلوماسي للحرب.

وكتبت كالاس على منصة «إكس»: «تحدثت مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن أحدث التصعيدات في الخليج ومسار المفاوضات مع الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أنها أجرت أيضاً اتصالاً بوزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح.

وأضافت أن «استئناف الهجمات على دول الخليج وبنيتها التحتية الحيوية أمر غير مقبول»، محذرة من أن العودة إلى «حرب شاملة» ستكون لها «تكلفة باهظة على المنطقة بأسرها». وأكدت أن «المسار الدبلوماسي يظل أفضل طريق لإنهاء هذه الحرب».

وفي موازاة التصعيد الأميركي الإيراني، استمرت الحرب في لبنان بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زاد من تعقيد أي محاولة للتوصل إلى تسوية شاملة.

ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال متمسكاً بأهداف أوسع من مجرد وقف إطلاق النار، بينها إضعاف النظام الإيراني وإنهاء برنامج طهران النووي وتدمير «حزب الله».

وتأتي هذه الدعوات فيما تتعرض حكومة طهران لضغط عسكري واقتصادي متزايد، لكنها تراهن على قدرتها على استخدام مضيق هرمز والردود الإقليمية كورقة تفاوضية.

وصعّد مسؤولون إيرانيون لهجتهم تجاه واشنطن مع اتساع الضربات الأميركية. وحذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة من أن «القرارات المتسرعة والاستراتيجيات الخاطئة» ستدفع المنطقة نحو وضع أسوأ، قائلاً إن الحرب قد تؤدي إلى «تفجير أسواق الطاقة والبنية التحتية» وخلق «مستنقع لا نهاية له» ستبقى الولايات المتحدة عالقة فيه لسنوات. وأضاف: «سترون إيران مختلفة».

وقال محسن رضائي، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والمستشار العسكري لمجتبى خامنئي، إن الرئيس الأميركي «يعتقد أن القنابل ستنقذه من المستنقع الذي صنعه بنفسه»، مضيفاً أن «الصواريخ الإيرانية ستغرقه أكثر». وقال إن على واشنطن الاختيار بين «قبول شروط إيران أو خسارة ما تبقى من مصداقيتها في العالم».

ودعا محسن أراكي، عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة وعضو المجلس الأعلى للحوزات العلمية، إلى استهداف المصالح الأميركية، وعدّ ذلك «واجباً شرعياً». كما وصف الولايات المتحدة بأنها «كافر حربي»، في خطاب يعكس اتجاهاً متشدداً داخل المؤسسة الحاكمة مع اتساع المواجهة.

وفي الاتجاه نفسه، قال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إن أي «خطوة غير محسوبة» من جانب ترمب ستواجه «برد سيُسجل في التاريخ». وأضاف أن الرئيس الأميركي «يعاني أوهاماً»، مؤكداً أن القدرات القتالية الإيرانية في جزيرة خرج «مرتفعة جداً» وأن طهران مستعدة لمواجهة أي تهديد.

وأدت الحرب، المستمرة منذ أواخر فبراير، إلى مقتل آلاف الأشخاص وتعطيل جزء كبير من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عبر الخليج العربي، ما دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع. وارتفعت أسعار النفط بنحو 3 دولارات بعد تهديدات ترمب، وواصلت مكاسبها في التداولات الآسيوية.

وتحول النزاع إلى عبء سياسي على البيت الأبيض، مع تزايد غضب الناخبين الأميركيين من ارتفاع أسعار الوقود وتراجع مكاسب الأجور. وأبدى بعض الجمهوريين قلقهم من أن تؤثر الحرب في فرص الحزب خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات