أغلق هيرفي رينارد حقيبته الفرنسية للمرة الأخيرة في الرياض، تاركاً وراءه “بعثرة” فنية وجدلاً لا ينتهي؛ فبينما كان يستعد لتسجيل ظهوره المونديالي الثاني، جاءت “مكالمة الإعفاء” لتقطع الطريق نحو حلم 2026 قبل 60 يوماً من صافرة البداية.
لم تكن إقالة رينارد مجرد قرار إداري عابر، بل كانت زلزالاً هز أركان البيت النصراوي والهلالي على حد سواء، بعدما تحولت “الرقصة الأخيرة” للفرنسي إلى كابوس تجريبي في مارس، انتهى بسقوط مرير أمام مصر وصربيا.
ورغم فخر رينارد بأنه الوحيد الذي خاض غمار التصفيات والمونديال معاً في 2022، إلا أن لغة الأرقام الصماء كانت ترسم مساراً آخر، حيث تحول المدرب “الأكثر خوضاً للمباريات” إلى المدرب “الأكثر خسارة” في تاريخ الأخضر.
كشفت لغة الإحصاء عن مفارقة عجيبة في مسيرة رينارد؛ فهو المدرب الذي قاد المنتخب السعودي في 68 مواجهة كأعلى رقم تاريخي، لكنه في المقابل حصد 22 خسارة، ليتربع على عرش أكثر المدربين هزيمة في تاريخ المنتخب.
وعلى الرغم من بلوغه حاجز الـ30 انتصاراً، إلا أن نسبة الفوز لديه توقفت عند 44.12%، وهي نسبة وضعت الاتحاد السعودي في مأزق قبل المونديال، خاصة مع تراجع النجاعة الدفاعية واستقبال 63 هدفاً خلال ولايتيه.
وتوضح الجداول التالية المقارنة التاريخية بين رينارد وعمالقة التدريب الذين مروا على مقاعد بدلاء المنتخب السعودي، وكيف تباينت حظوظ “الثعلب” بين القمة والقاع الرقمي:
وتشير الأرقام إلى أن ناصر الجوهر لا يزال “الرقم الصعب” في تاريخ الكرة السعودية بـ37 انتصاراً، رغم أن رينارد خاض مباريات أكثر منه، مما يعزز وجهة النظر التي طالبت برحيل الفرنسي بعد “تراجع الحدة” التنافسية.
اقرأ ايضا: إبراهيم دياز يقلب الطاولة ويُغازل ثقة ألونسو قبل مباراة أوساسونا
ويرى نقاد أن ولاية رينارد الثانية، التي استمرت 520 يوماً، لم تكن بجمال الأولى؛ حيث افتقد الفريق الشخصية الهجومية، وهو ما ظهر جلياً في ودية مصر التي كانت المسمار الأخير في نعش بقاء “الثعلب”.
ورغم مرارة الإقالة، يصر رينارد على أن إنجازه بالوصول للمونديال مرتين يضعه في خانة “الخالدين”، لكن الشارع الرياضي السعودي يرى أن المنتخب كان يحتاج “هوية فنية” جديدة قادرة على الصمود أمام كبار العالم.
ومع اقتراب ساعة الصفر المونديالية، يجد الاتحاد السعودي نفسه أمام تحدي اختيار مدرب يستطيع تحسين نسبة الفوز المتردية، وتقليل معدل استقبال الأهداف الذي وصل إلى نحو هدف في كل مباراة خلال حقبة رينارد.
إن رحيل رينارد يفتح الباب لتساؤلات كبرى: هل كانت المشكلة في “أدوات” المدرب أم في “قناعاته” التي اصطدمت بطموحات الجماهير؟ الأرقام تقول أن رينارد كان الأكثر عملاً، لكنه كان أيضاً الأكثر تعثراً.
وتعكس إحصائية “81 هدفاً مسجلاً” قوة هجومية لا يستهان بها، إلا أن استقبال 63 هدفاً هو ما أثار رعب المسؤولين، خشية تكرار سيناريوهات النتائج الكبيرة في مجموعات المونديال القادم أمام منتخبات النخبة العالمية.
وسيبقى اسم رينارد مرتبطاً بانتصار الأرجنتين التاريخي، لكنه سيبقى أيضاً مرتبطاً برقم “22 خسارة” كأكبر ندبة في سجل مدرب قاد الأخضر، ليرحل تاركاً خلفه تركة ثقيلة للمدرب الذي سيخلفه في “مهمة زعبيل” المونديالية.
ختاماً، فإن رحيل “الثعلب” قبل 60 يوماً من المونديال هو مقامرة محسوبة لكسر حالة “الجمود الرقمي” التي أصابت المنتخب، فهل يكون التغيير هو طوق النجاة، أم أن الأرقام كانت تظلم رينارد في بعض جوانبها؟
فشل رينارد في كسر رقم ناصر الجوهر كأكثر المدربين تحقيقاً للفوز، ليرحل الفرنسي بلقب “الأكثر مشاركة” فقط؛ فهل تنجح الإدارة في جلب مدرب يعيد للأخضر هيبته الرقمية قبل صدام المونديال المرتقب؟

