- اعلان -
الرئيسية الرياضة إيطاليا تودع كأس العالم.. هل تلاحق لعنة زيدان الآزوري بسبب ماتيراتزي؟

إيطاليا تودع كأس العالم.. هل تلاحق لعنة زيدان الآزوري بسبب ماتيراتزي؟

0

إيطاليا تودع كأس العالم، يقول الفلاسفة القدامى إن “العدالة الإلهية قد تتأخر، لكنها لا تنام”، وفي عالم كرة القدم، حيث تُنسج الأساطير من خيوط العرق والدموع، يبدو أن هناك قوانين خفية تحكم اللعبة تتجاوز حدود التكتيك والبدنيات، هل يمكن لذنب ارتكبه رجل واحد في لحظة تجلٍّ للشيطان أن يطارد أمة بأكملها لعشرين عاماً؟ هل يمكن لصرخة ألم صامتة أطلقها أسطورة مطرود أن تتحول إلى لعنة تلاحق قميصاً أزرق كان يوماً ما رمزاً للسطوة والكبرياء؟

في الحادي والثلاثين من مارس 2026، وعلى أرض البوسنة والهرسك، سقطت الأتزوري مجدداً، لم يكن مجرد سقوط، بل كان إعلاناً رسمياً عن دخول إيطاليا نفقاً مظلماً لم تشهده كرة القدم من قبل، للمرة الثالثة على التوالي، تغيب إيطاليا عن كأس العالم، غيابٌ يمتد لـ 12 عاماً عجافاً.

بينما كان اللاعبون الإيطاليون يسقطون أرضاً بعد ركلات الترجيح المشؤومة أمام البوسنة، عادت للأذهان صورة واحدة، صورة رجل يرتدي القميص الأبيض رقم 10، يمر بجانب الكأس الذهبية في برلين، رأسه في الأرض، وقلبه مكسور، بينما يقف العالم مذهولاً من مشهد “النطحة”.

هل هي لعنة زين الدين زيدان؟ هل هو ثمن خطيئة ماركو ماتيراتزي الذي استباح حُرمة الأم والأخت ليظفر بكأس؟ يبدو أن التاريخ قرر أن يدفع الطليان الثمن.. غالياً جداً، ولم يعد الحديث عن كرة القدم مجرد تكتيك ومهارة، بل عن أرواح وأقدار تتشابك في لحظات مصيرية، حيث يتحول كل خطأ قديم إلى ذكرى لا تنسى، وكل نصر سابق إلى لعنة تحصد الأبطال والبطولات على حد سواء.

9 يوليو 2006 – الدقيقة 110، في الملعب الأولمبي ببرلين، الأجواء مشحونة لدرجة الانفجار، نهائي كأس العالم بين فرنسا وإيطاليا، العالم يحبس أنفاسه، النتيجة تعادل (1-1)، الجميع ينتظر ركلات الترجيح، لكن القدر كان يخبئ دراما من نوع آخر، فجأة، وبلا مقدمات مرئية، سقط المدافع الإيطالي الضخم ماركو ماتيراتزي على العشب كأن صاعقة ضربته.

الكاميرات التي كانت تلاحق الكرة، عادت لتكشف الجريمة، الإعادة التلفزيونية أظهرت زين الدين زيدان، في مباراته الأخيرة، في رقصته الوداعية، وهو يوجه نطحة قوية لماتيراتزي في صدره، الحكم الأرجنتيني هوراسيو إليزوندو يشهر البطاقة الحمراء، يخرج زيدان من الملعب، يمر بمحاذاة الكأس، لا ينظر إليها، لا يلمسها، يختفي في نفق غرف الملابس ورأسه محنيّ، تاركاً خلفه منتخباً مكسور الجناح، وخصماً احتفل لاحقاً باللقب.

لكن، ما الذي قيل في تلك اللحظة؟ كشف التاريخ لاحقاً أن ماتيراتزي لم يكتفِ بالدفاع الكروي، بل استخدم سلاحاً قذراً، شتم أم زيدان وأخته بكلمات لا تقال، لقد استغل ماتيراتزي نقطة ضعف الأسطورة، ففاز إيطاليا بالكأس، لكنها خسرت روحها، كانت تلك اللحظة هي بداية اللعنة؛ لقد نالت إيطاليا الذهب، لكنها نالت معه دعوات الملايين الذين تعاطفوا مع انكسار “زيزو”.

بعد ليلة برلين، ظن الطليان أنهم أسياد العالم للأبد، لكن شمس الغروب بدأت تلوح في الأفق سريعاً، كانت البداية من مونديال جنوب أفريقيا 2010، إيطاليا، حاملة اللقب، تقع في مجموعة سهلة تضم باراجواي، نيوزيلندا، وسلوفاكيا، النتيجة؟ خروج مذل من الدور الأول بلا فوز واحد، والمركز الأخير في المجموعة خلف نيوزيلندا المغمورة.

لم يتعظ الطليان، فجاء مونديال البرازيل 2014، فوز يتيم على إنجلترا، ثم خسارة من كوستاريكا، والختام بمأساة أوروجواي، في تلك المباراة، تعرض كيليني لـ عضة من لويس سواريز، وخرجت إيطاليا مجدداً من دور المجموعات، بدأ الهمس يعلو في روما وميلانو، ما الذي يحدث لبطل العالم؟

وصلت اللعنة إلى ذروتها في 2018، ولأول مرة منذ 60 عاماً، فشلت إيطاليا في التأهل لكأس العالم بعد ملحق دراماتيكي أمام السويد، دموع بوفون في تلك الليلة كانت تعبيراً عن نهاية عصر، لكن، كانت هناك بارقة أمل؛ فوز إعجازي بيورو 2020 (التي أقيمت في 2021)، ظن الجميع أن اللعنة انكسرت، وأن ذنب ماتيراتزي قد غُفر.

تصفح أيضًا: الاتفاق يرد على عرضي النصر والاتحاد لضم نجمه

لكن القدر كان له رأي آخر، في تصفيات مونديال 2022، وبطريقة تراجيدية لا تحدث إلا في الأفلام، أضاع جورجينيو ركلتي جزاء حاسمتين أمام سويسرا، لتجد إيطاليا نفسها في الملحق أمام مقدونيا الشمالية، في الدقيقة الأخيرة، سكنت كرة مباغتة شباك دوناروما، لتغيب إيطاليا للمرة الثانية توالياً، لقد كان زيدان يبتسم في مكان ما، بينما كانت إيطاليا تصرخ في وجه الفراغ.

دخلت إيطاليا تصفيات مونديال 2026 وهي تحمل جروحاً غائرة، كان الجميع يتحدث عن الضرورة الوطنية للتواجد في أمريكا وكندا والمكسيك، تعاقدوا مع جاتوزو، غيروا الخطط، لكن العقدة النفسية كانت أقوى من أي تكتيك، وصل المنتخب الإيطالي إلى ملحق التصفيات الأوروبية، ليواجه منتخب البوسنة والهرسك في مباراة حياة أو موت.

لعبت إيطاليا في سراييفو وسط أجواء عدائية، تقدمت ايطاليا مبكراً في الدقيقة 15، وظلت البوسنة تحاول حتى الدقيقة 79 حين تعادلت بشق الأنفس، امتدت المباراة للأشواط الإضافية، والتوتر يكاد يقتل المشجعين خلف الشاشات، انتهى الوقت بالتعادل (1-1).

في 2006، فازت إيطاليا بركلات الترجيح، في 2026، قررت الكرة أن تسخر منهم.

انتهت ركلات الترجيح بنتيجة (4-1) لصالح البوسنة والهرسك، سقط المنتخب الإيطالي، سقط التاريخ، سقط الكبرياء، للمرة الثالثة على التوالي، أكبر غياب في تاريخ القارة العجوز لمنتخب بحجم إيطاليا.

إذا نظرنا للموضوع بعين المنطق، سنجد تفسيرات تقنية: ضعف الدوري الإيطالي، غياب المواهب الهجومية، البيروقراطية في اتحاد الكرة، لكن كرة القدم ليست منطقاً صرفاً، لماذا يضيع أعظم مسددي ركلات الجزاء في إيطاليا كراتهم في اللحظات الحاسمة؟ لماذا تخرج إيطاليا دائماً بسيناريوهات عجيبة؟

العودة إلى 2006 تعطينا الإجابة النفسية، ماتيراتزي لم يسرق فوزاً فحسب، بل زرع في وجدان الكرة الإيطالية فكرة أن “الغاية تبرر الوسيلة”، ومنذ ذلك الحين، فقد المنتخب الإيطالي ذلك الرابط الروحي مع العدالة، في كل مرة يقتربون فيها من التأهل، تظهر “نطحة” زيدان كشبح يذكرهم بأن البناء على أساس الاستفزاز والإهانة لا بد أن ينهار يوماً.

ماتيراتزي شتم الأم والأخت، وهما مقدسان في كل مكان، لقد تجاوز حدود ماتيراتزي حدود اللعب النظيف إلى منطقة اللا عودة، واليوم، يبدو أن الجيل الحالي يدفع ثمن كلمات قيلت في لحظة غضب في برلين قبل عشرين عاماً.

تغيب إيطاليا عن مونديال 2026، لتكمل 12 عاماً من الانقطاع عن العرس العالمي، سيشاهد أطفال إيطاليا كأس العالم عبر التلفاز وهم يسألون آباءهم: “لماذا لسنا هناك؟”، وسيجيب الآباء بقصص عن بوفون وبيرلو وتوتي، لكن القلة منهم سيتجرأون على قول الحقيقة: 

إيطاليا اليوم بحاجة إلى أكثر من مدرب جديد أو لاعب هداف؛ إنها بحاجة إلى تطهير روحي، ربما لو اعتذر ماتيراتزي لزيدان علانية، وربما لو اعترفت إيطاليا بأن تلك الكأس كانت ملوثة، قد تنكسر اللعنة. 

وحتى ذلك الحين، سيبقى شبح زين الدين زيدان يحوم فوق الملاعب الإيطالية، وسيبقى الكأس الذهبي بعيد المنال، كأنه سراب يطاردونه في صحراء لا تنتهي، ذنب ماتيراتزي؟ لعنة زيدان؟ سمّها ما شئت، لكن الحقيقة الواحدة الصادمة هي: إيطاليا خارج المونديال للمرة الثالثة على التوالي.

Exit mobile version