أطلقت الصين رسمياً مبادرة وطنية جديدة تحت اسم «إيه آي بلس» (AI Plus)، تستهدف دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، في إطار رؤية حكومية لتعزيز الابتكار وزيادة القدرة التنافسية العالمية لثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ووفق توجيهات مجلس الدولة الصيني، تهدف المبادرة إلى تسريع تطوير التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامه في التصنيع والزراعة والخدمات والبنية التحتية الذكية والتعليم والصحة.
وتأتي المبادرة في وقت تسعى فيه بكين إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى محرك رئيسي للنمو النوعي، ودعامة أساسية لمواكبة التحولات التكنولوجية العالمية.
وأكدت الحكومة الصينية أن المبادرة تتضمن خطة لتعزيز الاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتطوير الخوارزميات ونماذج اللغة واسعة النطاق، إلى جانب دعم البحث العلمي في المجالات الأساسية للذكاء الاصطناعي. كما تستهدف توفير بيئة تشريعية وتنظيمية ملائمة لتسريع دمج الابتكارات في الاقتصاد الحقيقي، وتوسيع نطاق مشاركة البيانات بين القطاعين العام والخاص.
ورغم شح التفاصيل عن المبادرة في وسائل الإعلام الغربية بشكل عام، أفاد البحث المعمق الذي أجرته «الشرق الأوسط» في المواقع الرسمية الصينية، أنها تشمل مشروعات تطبيقية في قطاعات متعددة، منها: المركبات الذكية المتصلة، والروبوتات الصناعية والخدمية، وحلول الطاقة الذكية، وتطوير المدن الذكية، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة الخدمات.
كما تتطلع الصين ضمن خطتها الوطنية إلى زيادة إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات المقبلة، في خطوة تهدف إلى دعم طموحاتها في مجال تطوير النماذج العملاقة مثل «ديب سيك» وتعزيز قدراتها التكنولوجية الذاتية، وفق ما ذكرته صحيفة «فاينانشال تايمز».
اقرأ ايضا: المغرب يتوقع تباطأ النمو الاقتصادي إلى 4 % العام المقبل
ويأتي إطلاق مبادرة «إيه آي بلس» فيما تشير تقديرات رسمية إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الصين قد يتجاوز 1.7 تريليون يوان (نحو 238 مليار دولار) بحلول عام 2035، مدفوعاً بالطلب المحلي المتزايد واعتماد الشركات على تقنيات الأتمتة والتعلم الآلي لتعزيز الإنتاجية وخفض التكاليف. ويقترب مستوى السوق المتوقع من مستوى الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول الأوروبية مثل البرتغال وفنلندا واليونان.
ويرى خبراء ومراقبون أن المبادرة ستسهم في تحويل الصين إلى «سوق سوبر للذكاء الاصطناعي»، حيث تمتلك البلاد قاعدة صناعية ضخمة وسوقاً داخلية واسعة تسمح بنشر هذه التقنيات على نطاق غير مسبوق. كما تهدف بكين من خلالها إلى تقليص الفجوة التكنولوجية مع الاقتصادات المتقدمة، والحد من الاعتماد على التقنيات الغربية في ظل التوترات الجيوسياسية.
وترافق المبادرة حزمة من الحوافز الحكومية لدعم الشركات المحلية الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والرقائق الإلكترونية، إلى جانب دعم مشروعات مفتوحة المصدر لتشجيع التعاون وتبادل المعرفة بين المؤسسات البحثية والشركات. كما تخطط بكين لتوسيع برامج التدريب والتعليم في تقنيات الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الدراسية المبكرة لتأهيل الكوادر البشرية اللازمة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسابق فيه الدول الكبرى على قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي. وبحسب القراءة المعمقة في البيانات الحكومية الصينية، تهدف بكين من خلال مبادرة «إيه آي بلس» إلى تعزيز استقلالها التقني وحماية صناعاتها من القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا من بعض الاقتصادات الغربية.
ويرى محللون أن هذه المبادرة تعكس إدراك بكين لأهمية الذكاء الاصطناعي كعنصر حاسم في المنافسة الاقتصادية والعسكرية خلال السنوات المقبلة.
ويمثل إطلاق المبادرة نقلة نوعية في سياسة الصين التكنولوجية والاقتصادية، إذ تسعى الدولة إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات رقمية إلى قوة إنتاجية محورية تدعم النمو المستدام، وتحقق التفوق الصناعي على المستوى العالمي. ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرة في دفع المزيد من الاستثمارات نحو قطاع التكنولوجيا، وتعزيز موقع الصين كلاعب رئيسي في الثورة الصناعية الجديدة.