داخل أروقة القلعة الحمراء، لا صوت يعلو فوق صوت “ثورة التصحيح”، بعد موسم وُصف بأنه الأقسى على جماهير النادي الأهلي في السنوات الأخيرة، حيث اكتفى المارد الأحمر ببطولة كأس السوبر المصري فقط.
وفرّط الأحمر في ألقاب الدوري العام، وكأس مصر، ودوري أبطال إفريقيا، رغم الميزانيات الضخمة والملايين التي تم إنفاقها في سوق الانتقالات، والرواتب الخرافية للاعبيه.
هذا الانهيار الفني والإداري دفع مجلس إدارة الأهلي برئاسة محمود الخطيب إلى اتخاذ قرارات حاسمة، ولكن المفاجأة لم تكن في التغيير ذاته، بل في الأسماء التي تم الاستعانة بها لإحداث هذه النفضة؛ فالبوصلة اتجهت نحو أسماء لمعت وارتبطت حقبتها الإدارية بمجلس محمود طاهر، الرئيس السابق للنادي.
لم يكن استدعاء وائل جمعة، أسطورة دفاع الأهلي، لتولي منصب مدير الكرة من جديد قرارًا عشوائيًا. الأهلي في موسمه الأخير عانى من انفلات واضح وتراجع في الروح القتالية، وهو ما تطلب شخصية بحجم الصخرة لإعادة الانضباط.
تولى جمعة هذا المنصب مسبقًا في الفترة من 2014 وحتى 2015، وهي الفترة التي تزامنت مع ولاية محمود طاهر. السمة الأبرز لتلك الحقبة كانت الصدام الشهير بين وائل جمعة وحسام غالي (قائد الفريق آنذاك).
الأزمة تفجرت عندما كشف جمعة في تصريحات إعلامية عن تفاصيل لا تخرج عادةً من الغرف المغلقة، مشيرًا إلى تجاوزات غالي وتوجيهه السباب لبعض اللاعبين، وهو ما اعتبره جمعة تعديًا على صلاحياته وتدميرًا لاستقرار الفريق.
أدت هذه التصريحات إلى شرخ كبير في العلاقة بين الطرفين (قبل أن يتم الصلح لاحقًا)، وانتهت برحيل جمعة عن منصبه رفقة خوان كارلوس جاريدو، المدير الفني للفريق حينذاك.
إعادة الخطيب لوائل جمعة تعني أن الإدارة الحالية تدرك بأن التراخي الذي أصاب الفريق مؤخرًا يحتاج إلى مدير كرة يمتلك من الرصيد التاريخي والصرامة ما يجعله قادرًا على ترويض النجوم وتطبيق اللوائح بحد السيف، حتى وإن كلفه ذلك الدخول في صدامات جديدة.
وائل جمعة كان ينتقد أغلب تصرفات المسؤولين عن الكرة للأهلي، خلال تواجده في الاستوديو التحليلي عبر قنوات “بي إن سبورتس” أثناء مباريات الأحمر في إفريقيا، والآن سيكون واحدًا من ضمن المسؤولين.
إذا كان جمعة هو الحل لأزمة “غرفة الملابس”، فإن عصام سراج هو الرجل الذي يحتاجه الأحمر لتعديل بوصلة التعاقدات.
سراج بدأ في ممارسة مهام عمله بالفعل داخل أروقة النادي، حيث يُعد واحدًا من أنجح مديري التعاقدات في تاريخ النادي الحديث.
نوصي بقراءة: نتائج مباريات اليوم الخميس 28 أغسطس 2025
نجاحات سراج في حقبة محمود طاهر لا يمكن إنكارها، ويكفي أن نعود بالذاكرة إلى صيف 2016. في ذلك الميركاتو، نجح سراج في جلب أسماء شكلت القوام الرئيسي لهيمنة الأهلي في السنوات اللاحقة.
الأول كان أسطورة الجبهة اليسرى القادم من الصفاقسي التونسي، والذي أصبح لاحقًا أهم محترف في تاريخ النادي، والقائد الفعلي داخل الملعب للجيل الذهبي الذي سيطر على الأخضر واليابس من 2020 وحتى 2024.
النيجيري جونيور أجايي، الذي قدم مستويات استثنائية وكان حاسمًا في العديد من المواجهات، وحينها كان جونيور لاعبًا في منتخب نيجيريا الذي يشارك بأولمبياد ريو.
وفي نفس الميركاتو، كان أكرم توفيق أحد اللاعبين المنضمين للأهلي، وتحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم عناصر منظومة بيتسو موسيماني ثم مارسيل كولر، وحقق العديد من البطولات ولعب في مراكز مختلفة.
عودة سراج تأتي بعد ميركاتو كارثي في عهد الخطيب، حيث تم إنفاق ملايين الدولارات والجنيهات على صفقات لم تقدم أي مردود فني يُذكر، وساهمت بشكل مباشر في خسارة الفريق للألقاب الثلاثة الكبرى.
الاستعانة بسراج هي عودة للعين التي تجيد اصطياد المواهب بأسعار منطقية، وبناء قوام قوي بعيدًا عن العشوائية، مع لجنة التعاقدات بشكل عام، خاصةً وأن عصام قليل الكلام وكثير الفعل، حيث لا يتحدث عن نفسه كغيره من الذين تفاخروا بالتعاقدات التي انضمت للأهلي، لكنه يقدم منهم الإضافة الحقيقية.
المفارقة الأكبر في هذا المشهد تتمثل في قرار محمود الخطيب نفسه. لطالما كانت هناك حالة من الاستقطاب غير المعلن بين حقبتي طاهر وبيبو، حيث كان يُنظر إلى الكوادر الإدارية لكل مجلس على أنها محسوبة عليه حصرًا.
ولكن، أمام ضغط الجماهير الغاضبة، ومرارة الموسم الصفري، قرر الخطيب تنحية أي اعتبارات انتخابية أو سياسية داخلية جانبًا. هذا القرار يعكس نضجًا إداريًا.
لقد فشل رهان الخطيب على لجان التخطيط والتعاقدات الأخيرة، ووجد أن الحل الناجع يكمن في رجال أثبتوا جدارتهم مثل سراج، وآخرين امتلكوا الشجاعة للمواجهة مثل جمعة.
الأهلي الآن يعيش مرحلة انتقالية حساسة. الاستعانة بوائل جمعة وعصام سراج ليست مجرد قرارات إدارية عابرة، بل هي محاولة جادة لإعادة ترتيب البيت في فريق كرة القدم.
الأيام القليلة القادمة ستثبت ما إذا كانت هذه “البراجماتية” ستؤتي ثمارها، أم أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير في الأسماء.
