- اعلان -
الرئيسية الرياضة الأهلي وما بعد الكارثة.. كيف يعود الأحمر إلى منصات التتويج واستعادة الهيبة؟

الأهلي وما بعد الكارثة.. كيف يعود الأحمر إلى منصات التتويج واستعادة الهيبة؟

0

في ليلة قاهرية لم تكن كغيرها، ليلة تحول فيها “استاد الرعب” إلى مسرح للمأساة الحمراء، هبط الظلام على قلعة الجزيرة، ولم يكن ظلاماً عادياً، بل كان سواداً لف جماهير النادي الأهلي من أدناها إلى أقصاها، لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، ولم يكن مجرد خروج وخسارة لقب أفريقي؛ بل كانت “النكبة” الكروية التي هزت أركان أنجح نادٍ في القارة السمراء، معلنةً عن تصدع تاريخي في عرشه، وطارقةً أبواب الفزع الحقيقي من مستقبل أسود قد يرى فيه نادي القرن نفسه، ولأول مرة منذ عقود، مجرداً من أسلحته، معزولاً عن الساحة العالمية الكبرى.

توقف الزمن في الدقيقة التسعين وما بعدها من مساء السبت الحزين، صافرة الحكم كانت بمثابة المقصلة التي هوت على رقاب الأحلام الأهلاوية، النتيجة على الشاشة في استاد القاهرة الدولي كانت تقرأ بشكل قاسي: الأهلي 2 – الترجي الرياضي التونسي 3، وبمجموع المباراتين (بعد خسارة رادس بهدف نظيف)، تأكدت المأساة بمجموع (4-2)، لقد ودع البطل البطولة من دور الثمانية، سقط الملك أمام غريمه الإفريقي، ولم يسقط وحيداً؛ بل سقطت معه هيبة طالما أرهبت المنافسين، وساد الصمت المطبق مدرجات كان يضج فيها “أعظم نادي في الكون” قبل ساعات، صمت لم يكسره سوى دموع المنكسرين، وصيحات الغضب المكتوم.

أن تخسر من الترجي في تونس أمر وارد في عرف كرة القدم الأفريقية، فالترجي ليس فريقاً سهلاً بل هو عملاق لا يقل شأناً عنك، لكن أن تخسر أمامه في القاهرة، وفي ليلة مصيرية، وسط ترقب 70 مليون مشجع متعطش للثأر والعبور.. فهذا هو الانكسار الحقيقي.

لم يكن الترجي بحاجة لسحر خاص، بل كان بحاجة للذكاء التكتيكي، والروح القتالية، واستغلال العيوب الواضحة التي دبت في جسد الفريق الأحمر، بدأ الأهلي المباراة بتوتر محموم، وضغط عشوائي لم يثمر سوى عن فجوات قاتلة في دفاعاته المتهالكة، استغل أبناء “باب السويقة” هذا الارتباك ببراعة، وشنوا هجمات مرتدة كانت بمثابة الخناجر في قلب الدفاع الأهلاوي.

توالت الأهداف التونسية كصفعات متتالية على وجه الكبرياء الأحمر، بعد شوط صال الأهلي فيه وجال وتقدم بهدف نظيف، لكن مع الشوط الثاني، هدف تلو الآخر، والمدرب توروب واقف على الخط كأن على رأسه الطير، عاجزاً عن قراءة ما يدور، أو إجراء تغيير جذري ينقذ السفينة الغارقة، حاول الأهلي العودة، سجل هدفين، لكنهما كانا مجرد محاولات يائسة من غريق يتشبث بقشة، قبل أن تأتي الضربة القاضية بهدف ثالث للترجي قضى على الآمال تماماً وتحولت المباراة إلى كابوس واقعي.

لقد كشفت هذه الخسارة، بأهدافها الثلاثة التي تلقاها مرمى شوبير في قلب القاهرة، عن حقيقة مرة ظل الكثيرون يحاولون تناسيها: أن الأهلي الحالي لم يعد ذلك الفريق الذي يكتسح الجميع بـ “روح الفانلة الحمراء” وحدها، وأن العوار الفني، والضعف التكتيكي، وتراجع مستوى نجوم كبار، لم يعد مكاناً للاختباء خلفه.

لكن الكابوس الحقيقي، والأمر الذي يجعل من هذه الخسارة لا تُغتفر، لا يكمن فقط في توديع البطولة الأفريقية للعام الثاني على التوالي (بعد نكسة العام الماضي)، بل يكمن في التبعات الكارثية لهذا الخروج على المدى الطويل، وتحديداً على حلم “كأس العالم للأندية 2029” بنظامها الجديد الموسع (32 فريقاً).

لقد أقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نظاماً جديداً للتأهل إلى هذه النسخة التاريخية، يعتمد بشكل أساسي على تصنيف الأندية الأفريقية بناءً على نتائجها في دوري أبطال أفريقيا خلال السنوات الأربع التي تسبق البطولة (من 2025 إلى 2028)، الفكرة هي اختيار أربعة فرق تمثل القارة السمراء، وهم أبطال النسخ الأربعة، أو أعلى الفرق في التصنيف في حال تكرر البطل.

وهنا تكمن المأساة، وهنا يبرز الخطر الذي يهدد الأهلي بطل أفريقيا الذي طالما حجز مقعده المونديالي سنوياً تقريباً بفضل سيطرته المطلقة، يجد نفسه الآن في وضعية انبطاح تاريخية، لقد خسر الأهلي نسخة العام الماضي (2024)، وخسر النسخة الحالية (2025)، هذا يعني صفر نقاط من “خانة البطل” لعامين متتاليين، وهذا يعني تراجعاً حاداً في تصنيفه الأفريقي التراكمي.

الحسابات القاسية تقول إن فرصة الأهلي للتواجد في مونديال 2029 لم تعد تعتمد على عراقته أو جمهوره؛ بل باتت معلقة بفرصة وحيدة، يتيمة، وقاتلة: الفوز ببطولة دوري أبطال أفريقيا لعام 2028، نعم، لقد تضاءلت الخيارات، وتبخرت الرفاهية تماماً، لا يوجد بديل، لا يوجد مجال للترنح، لا يوجد هامش للخطأ، إما الذهب في 2028، أو توديع مونديال الأندية لسنوات طويلة.

هذا النفق الكروي المظلم الذي كان الأهلاوية يعتبرونه ضرباً من الخيال، أصبح الآن حقيقة واقعة تهدد الإدارة والجمهور على حد سواء، أن يتخيل الأهلاوي نفسه يشاهد مونديال الأندية 2029 من خلف الشاشات، بينما فرق أخرى أقل تاريخاً تشارك في المحفل العالمي، هو أمر يفوق احتمال الكبرياء الأحمر.

قد يهمك أيضًا: على غرار كأس العرب.. قرار آسيوي مفاجئ بشأن العراق واليابان

وكأن المحنة الأفريقية لم تكن كافية، تأتي الأوضاع المحلية لتزيد الطين بلة، وترسم لوحة أكثر قتامة لمستقبل الفريق، الأهلي، “ملك الدوري المصري“، يعاني الأمرين هذا الموسم، إنه يقبع حالياً في المركز الثالث، في ترتيب لم يعهده الجمهور الأهلاوي سوى في فترات الانكسار النادرة.

وهنا تبرز كارثة جديدة: إذا انتهى الموسم المصري على هذه الوضعية (الأهلي ثالثاً)، فهذا يعني رسمياً أن الأهلي لن يشارك في دوري أبطال أفريقيا للعام المقبل (2026-2027)، فوفقاً للوائح الاتحاد الأفريقي، يشارك بطل الدوري ووصيفه فقط في البطولة الأهم، بينما يذهب الثالث والرابع إلى كأس الكونفدرالية.

أن يلعب الأهلي في الكونفدرالية أمر، بحد ذاته، يمثل إهانة لتاريخه المعاصر كبطل دائم للأبطال، لكن، التبعات على حلم المونديال هي الأقسى، الغياب عن دوري الأبطال لعام 2027، يعني رسمياً خسارة عام ثالث من جمع النقاط الثمينة في التصنيف المؤهل لمونديال 2029.

هذا “السيناريو الأسود” يضع الأهلي في زاوية ضيقة جداً: يجب أن يقاتل على جبهتين في آن واحد،  يجب أن يقلب الطاولة محلياً لضمان الوصافة على الأقل والعودة للأبطال، وفي نفس الوقت، يجب أن يرمم صفوفه المتهالكة استعداداً لقتال حياة أو موت في أفريقيا بدءاً من عام 2028، لم يعد هناك وقت للراحة، لم يعد هناك وقت للمجاملات، ولم يعد هناك وقت للبكاء على الأطلال.

في خضم هذه العاصفة العاتية، تتوجه أصابع الاتهام بقوة، وبشكل شبه إجماعي، نحو رجل واحد: المدرب ييس توروب، الرجل الذي لم يقدم أوراق اعتماده حتى الآن لجماهير الأهلي، والذي يراه الكثيرون السبب الأول فيما وصل إليه النادي في تلك الفترة المظلمة.

لم يعد الجمهور الأهلاوي يطيق سماع مبرراته عن “الإجهاد” أو “غياب التوفيق”. فما حدث أمام الترجي كان انعكاساً لعوار فني مزمن بدأ يتسلل لجسد الفريق منذ أشهر، لقد تحول توروب في نظر الكثيرين إلى مجرد مدرب جاء بقيمة اقتصادية لا طائل منها إلا لسد فشل الإدارة في التعامل مع رحيل كولر أو تخبط حقبة بيسيرو.

النقد الموجه لتوروب ليس نقد النتائج فحسب، بل هو نقد الأسلوب والهوية:

أن تضع اللوم كله على توروب هو تبسيط مخل للمشكلة، فما يحدث في الملعب هو انعكاس لسياسات أعمق تدور في غرف الإدارة المغلقة بالجزيرة، مجلس إدارة الأهلي، برئاسة الأسطورة محمود الخطيب، لا يمكن أن يفلت من المحاكمة الجماهيرية الغاضبة.

المسؤولية الإدارية تتجاوز بكثير مجرد اختيار المدرب؛ بل تشمل:

أن يعيش الأهلي هذه النكبة ليس نهاية العالم، فالفرق الكبرى تنكسر لكنها لا تموت، التاريخ الأهلاوي مليء بفترات انكسار مريرة تلتها عودات أقوى، لكن، العودة هذه المرة تتطلب جراحة قيصرية فنية وإدارية شاملة، لا تكتفي بالمسكنات المؤقتة.

خارطة الانقاذ تتطلب خطوات جريئة وفورية:

لقد سقط النادي الأهلي في بئر عميق، سقط في ليلة انكسر فيها الكبرياء الأحمر، وتبخرت فيها الأحلام المونديالية القريبة، لكن الأهلي لم يمت، الخطر الآن ليس الخسارة من الترجي، بل القبول بها كقدر محتوم، والخوف من مواجهة الحقيقة المرة، إنها ليلة النكبة، لكنها لابد أن تكون ليلة البعث من جديد الجديد، ليلة لابد أن يستفيق فيها كل من ينتمي للجزيرة، إدارة ولاعبين وجماهير، ليعلنوا للعالم أجمع أن الملك قد يمرض، لكن عرشه لن يندثر أبداً.

Exit mobile version