تشهد جماعة الإخوان حالة من التراجع التنظيمي الحاد خلال السنوات الأخيرة، في ظل سلسلة من الضربات الأمنية والتشريعية في عدد من الدول، إضافة إلى تفكك داخلي متزايد انعكس على قدرتها في الحفاظ على تماسكها التقليدي أو ممارسة نشاط سياسي مباشر وفعّال على الأرض.
وبحسب خبراء، لم يعد التنظيم يعمل وفق البنية الهرمية الصارمة التي اشتهر بها سابقًا، بل بات أقرب إلى شبكات متفرقة تعمل بشكل غير مركزي، تعتمد على أدوات الاتصال الرقمي كوسيلة رئيسية للتأثير وإعادة إنتاج الخطاب، بدلًا من العمل التنظيمي التقليدي المباشر.
هذا التحول البنيوي صاحبه تغير واضح في طبيعة الخطاب، حيث تراجع التركيز على العمل السياسي المباشر لصالح إدارة التأثير عبر الفضاء الإلكتروني، خاصة من خلال إعادة تدوير الأحداث والأزمات وصياغتها في قوالب إعلامية مشحونة، يتم نشرها عبر منصات متعددة.
وتعتمد هذه الآلية على ما يشبه “الخلايا الرقمية” غير المترابطة تنظيميًا، لكنها تتقاطع في الهدف العام المتمثل في التأثير على الرأي العام وإثارة الجدل حول مؤسسات الدولة. وتعمل هذه الخلايا على رصد الأحداث المحلية والإقليمية بشكل لحظي، ثم إعادة تقديمها بصورة انتقائية تركز على الزوايا السلبية فقط، مع تضخيم بعض التفاصيل وإعادة نشرها بشكل متكرر.
كما تشير تقديرات إلى أن هذا النمط يعتمد بشكل كبير على الحسابات الوهمية والمنصات الموجهة، بهدف خلق حالة من التشويش المعلوماتي المستمر، وإعادة تشكيل الوعي العام عبر التكرار والانتشار السريع بدلًا من المصداقية أو التحقق.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس أزمة أعمق تمر بها الجماعة، تتمثل في فقدان القدرة على العمل التنظيمي التقليدي، مقابل الاعتماد المتزايد على أدوات رقمية غير مركزية، قد توفر انتشارًا سريعًا لكنها لا تعوض غياب البنية السياسية والتنظيمية المستقرة.
اقرأ ايضا: هيئة التنمية الصناعية: إنشاء صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة قريبا
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الجماعة أمام مرحلة إعادة تموضع قسرية، انتقلت فيها من التنظيم الهرمي الصارم إلى فضاء رقمي مشتت، تتداخل فيه الرسائل وتتنافس فيه الأصوات دون قيادة موحدة أو رؤية مركزية واضحة، ما يعكس حجم التحول الذي أصاب بنيتها خلال المرحلة الأخيرة.
قال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية إبراهيم ربيع، إن جماعة الإخوان تمر بمرحلة “تفكك بنيوي واضح خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تراكم الضربات الأمنية وتراجع قدرتها على الحفاظ على تماسكها التنظيمي التقليدي، ما انعكس على شكل الحركة وأدواتها في عدد من الدول.
وأوضح ربيع أن ما يحدث داخل الجماعة لم يعد مجرد تراجع عابر، بل تحول جذري في نمط العمل، حيث انتقلت من التنظيم الهرمي المركزي إلى حالة من التشظي والشبكات غير المترابطة، التي تعتمد بشكل أساسي على الفضاء الرقمي كبديل عن النشاط الميداني المباشر.
وأضاف أن هذا التحول صاحبه تغير واضح في طبيعة الخطاب، إذ تراجعت الأدوات السياسية والتنظيمية التقليدية لصالح الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي في إعادة إنتاج الرسائل وتداولها بشكل سريع ومكثف، مع التركيز على الأزمات والملفات الخلافية لإثارة الجدل.
وأشار ربيع إلى أن المرحلة الحالية تعتمد على ما وصفه بـ”الخلايا الرقمية المبعثرة”، التي تعمل بصورة منفصلة لكنها تلتقي في الهدف العام المتمثل في التأثير على الرأي العام، عبر إعادة صياغة الأحداث المحلية والإقليمية بشكل انتقائي يضخم الجوانب السلبية ويعيد نشرها بصورة متكررة.
ولفت إلى أن هذا النمط الجديد يعتمد على السرعة والتكرار أكثر من الاعتماد على التنظيم أو الموثوقية، ما يخلق حالة من السيولة المعلوماتية ويصعب تتبع مصادرها أو ضبطها بشكل مباشر.
واختتم ربيع تصريحه بالتأكيد على أن هذا التحول يعكس أزمة أعمق داخل الجماعة، تتمثل في فقدان البنية التنظيمية التقليدية دون وجود بديل سياسي واضح، وهو ما يضعها أمام مرحلة إعادة تموضع غير مستقرة.

