صعَّدت السلطات في العاصمة الليبية طرابلس، باتجاه بنغازي، وقال الطاهر الباعور، وزير الخارجية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة: «إن أفواجاً من المهاجرين غير النظاميين تعبر إلى داخل البلاد عبر مطار بنينا الدولي» بشرق البلاد بـ«عقود وهمية مزورة».
وتأتي اتهامات الباعور، لسلطات بنغازي بتسهيل دخول المهاجرين، في وقت تظاهر فيه ليبيون قبالة مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخميس، وأغلقوه بسواتر رملية، رفضاً لـ«التوطين».
وقال الباعور لقناة «ليبيا الأحرار»، مساء الأربعاء، إن مهاجرين، خصوصاً من شرق آسيا، يدخلون من بنغازي بـ«موافقة أمنية وأختام وإجراءات رسمية… لكن بناءً على عقود شركات وهمية ومزورة يتم استغلالها لتسهيل تدفقهم إلى البلاد»، موضحاً أن «بعض شركات المقاولات وخدمات النظافة في ليبيا تتقدَّم بطلبات رسمية بحجة حاجتها إلى عمالة من دول مختلفة، وبعد الحصول على الموافقات اللازمة يتم استقدام هذه العمالة، التي تدخل البلاد عقب استكمال الإجراءات الأمنية، ودفع الرسوم المطلوبة».
ليبيون يرفعون البطاقة الحمراء خلال احتشادهم أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
وأضاف الباعور – وهو وزير مكلّف – أن «كثيراً من القادمين إلى ليبيا عبر هذه القنوات يعتقدون أنهم دخلوا بموجب عقود عمل قانونية، لكنهم يُفاجأون بعد الوصول بعدم وجود فرص عمل حقيقية؛ ما يدفع بعضهم إلى التحوُّل إلى مهاجرين غير نظاميين»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنَّ بعض المهاجرين «يخطِّطون منذ البداية لدخول ليبيا بهدف الهجرة غير الشرعية».
وسبق أن قال عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلّف في «الوحدة»، إن ليبيا «تعاني من وجود 3 ملايين مهاجر على أرضها، دخلوا خلال السنوات الأخيرة بطرق غير مشروعة»، لكن الباعور قال إنه «لا يوجد أي حصر دقيق لأعداد المهاجرين، سواء لدى السلطات الليبية أو المنظمات الدولية».
واحتشد ليبيون، أتوا من مناطق بالعاصمة، أمام مقر مفوضية اللاجئين بمنطقة السراج بطرابلس، الخميس، وأغلقوا المقر بوضع سواتر رملية، هاتفين ضد رئيسة المفوضية في ليبيا كارمن صخر، وطالبوا «بترحيل العمالة الوافدة التي ليس لها أي أوراق رسمية أو إجراءات قانونية داخل الأراضي الليبية».
وأعلن المجلس الاجتماعي بالسراج، في بيان تلاه أحد أعضائه، الخميس، من أمام «مفوضية اللاجئين»، إغلاق مداخل المقر بالرمال، رافضاً أي اتفاقات من شأنها أن تسهم في «توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا».
رفع المتظاهرون «بطاقة حمراء» تنديداً بأي توجه لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا، هاتفين: «لا لا للتوطين… ليبيا لليبيين». كما وضعوا ملصقات على مداخل المفوضية كتب عليها: «مطالبنا خروج المفوضية من كامل ليبيا».
ونصب المحتجون خياماً أمام مقر المفوضية لحين خروج مسؤوليها عن ليبيا، وسط احتكاكات مع الأجهزة الأمنية المسؤولة عن حماية المقر.
احتشاد ليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
في سياق متصل، عبَّر المجلس الأعلى للدولة عن رفضه «القاطع لأي مشروعات أو ترتيبات من شأنها أن تؤدي إلى توطين المهاجرين في ليبيا». وقال إنه يتابع باهتمام بالغ ملف الهجرة غير المشروعة «وما يترتب عليه من تحديات تمس الأمن القومي، والاستقرار المجتمعي، والتركيبة السكانية في ليبيا».
نوصي بقراءة: إضراب 4 آلاف عامل عن الطعام في شركة ألومنيوم إيرانية يدخل يومه الثالث والأربعين
وذهب المجلس الأعلى في تصريح صحافي، مساء الأربعاء، إلى أن «إدارة ملف الهجرة ومعالجة تداعياته تظلان من صميم الاختصاصات السيادية للدولة الليبية». وقال: «إن أي سياسات أو إجراءات تتعلق بالأمر يجب أن تنطلق من احترام السيادة الوطنية، والالتزام بالتشريعات الليبية النافذة، بما يضمن حماية الحدود، والمحافظة على المصالح العليا للدولة».
ودخل «مجلس حكماء وأعيان بني وليد» على خط الأزمة، وقال إنه «يتابع بقلق ما يُثار حول محاولات توطين الأجانب والمهاجرين داخل الأراضي الليبية»، مشيراً إلى أن «هذه المحاولات تعدُّ مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية والهوية الليبية والأمن القومي، وتهديداً خطيراً للنسيج الاجتماعي ووحدة الوطن واستقراره».
وشدَّد المجلس على أنَّ ليبيا «ليست أرضاً للتوطين أو التغيير الديمغرافي؛ والشعب الليبي سيظلُّ متمسكاً بأرضه وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية».
وحذَّر مجلس الحكماء المؤسسات والمنظمات والبعثات الأجنبية والدولية كافة «من الانخراط في أي برامج، أو أنشطة يمكن أن تُستغَل لتغيير الواقع الديمغرافي لليبيا، أو فرض أجندات تتعارض مع مصالح الشعب الليبي وثوابته الوطنية» مؤكداً أن «سيادة الدولة الليبية ليست محل تفاوض أو مساومة».
ودعا المجلس السلطات التنفيذية والتشريعية والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية والتاريخية، واتخاذ مواقف واضحة، وإجراءات حازمة لحماية الحدود، وصون السيادة الوطنية، والتصدي لأي مخططات تستهدف الوطن ومستقبله».
مسيرة حاشدة رفضاً للتوطين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
وانتهى «مجلس حكماء وأعيان بني وليد» مُجدِّداً رفضه لأي «مشروعات أو اتفاقات أو ترتيبات تهدف إلى التوطين»، محملاً الجهات المحلية والدولية «كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والوطنية عن أي خطوات أو إجراءات تُتَّخذ في هذا الاتجاه».
وتعيش بعض مدن غرب ليبيا أجواء متوترة على خلفية تصاعد أزمة المهاجرين غير النظاميين. وقال النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري: «إن هذه القضية تمثل تحدياً يمس الأمن القومي والسيادة الوطنية»، رافضاً أيضاً «أي محاولات أو ترتيبات تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا، أو فرض واقع ديموغرافي جديد على الشعب الليبي».
وقال النويري في تصريح نقلته «وكالة الأنباء الليبية»: «إن معالجة ملف الهجرة يجب أن تتم في إطار تعاون دولي مسؤول، يعالج الأسباب الجذرية للهجرة في دول المنشأ، ويحترم سيادة الدول ومصالحها الوطنية»، ونوه إلى أن «مستقبل ليبيا يجب أن يصنعه أبناؤها بإرادتهم الحرة، بعيداً عن أي إملاءات خارجية أو حلول مؤقتة قد تهدِّد استقرار الوطن ووحدته».
الاحتجاجات عرفت أيضاً مشاركة واسعة لليبيات (المجلس الاجتماعي بالسراج)
ولا يوجد في ليبيا إحصاء رسمي لعدد السكان، أو المهاجرين غير النظاميين بشكل دقيق، إذ إن الآلاف منهم يدخلون البلاد عن طريق التهريب عبر الصحراء، أو المنافذ التي لا تخضع لرقابة موحدة في ظلِّ الانقسام الحكومي.
وسبق أن قدَّرت منظمات أوروبية عدد المهاجرين في ليبيا بنحو مليون و500 ألف مهاجر، من بينهم الآلاف داخل مراكز الإيواء في غرب البلاد وشرقها.

