- اعلان -
الرئيسية الوطن العربي الأردن الرفاعي يحذر من الوقوع في أوهام المشروع الإيراني والإسرائيلي في المنطقة

الرفاعي يحذر من الوقوع في أوهام المشروع الإيراني والإسرائيلي في المنطقة

0

  أكد رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي أن الأولوية الأردنية في ظل التحولات الإقليمية الراهنة يجب أن تبقى محسومة بلا تردد: “الأردن أولاً، والأردن أخيراً، والأردن دائماً وأبدًا”.

وشدد الرفاعي، خلال لقاء حواري في معهد السياسة والمجتمع، ضمن سلسلة جلسات مشروع جيل التحديث، بعنوان: “الحرب الإقليمية الراهنة والأمن القومي الأردني: الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران”، بحضور نخبة من الباحثين والخبراء والمهتمين والشباب، على أن صون الدولة الأردنية، وحماية مؤسساتها، والحفاظ على استقرارها، يمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي دور أردني في الدفاع عن القضايا العربية العادلة أو الانخراط في التفاعلات الإقليمية والدولية.

ودعا إلى التوازن في قراءة الصراع، محذرًا من الوقوع في وهمين متقابلين؛ الأول يتمثل في تبرئة المشروع الإيراني أو التغاضي عن ممارساته باسم القضية الفلسطينية، والثاني يتمثل في تجاهل طبيعة المشروع الإسرائيلي وخطورته بذريعة مواجهة إيران، مؤكدًا أن كلا الوهمين يقود إلى قراءة قاصرة لا تعكس حقيقة الصراع وتعقيداته.

وأشار الرفاعي في مستهل حديثه إلى أن ما يعيشه الإقليم اليوم لا يجوز قراءته بوصفه صراعًا دينيًا خالصًا، ولا باعتباره مواجهة أخلاقية مبسطة بين معسكرات الخير والشر، مشيرًا إلى أنه صراع نفوذ وهيمنة وتوازنات، تتداخل فيه مشاريع متعددة، لكل منها حساباته ومخاوفه وأدواته، وهو ما يستدعي قراءة سياسية رصينة تنطلق من منطق الدولة والمصلحة، لا من منطق التعبئة والاصطفاف العاطفي.

وشدد على أن هذه المقاربة تمثل المدخل الأساسي لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي، مؤكّدًا أن اختزال الصراع أو تبسيطه يؤدي إلى إضعاف القدرة على التعامل معه، وإلى الوقوع في قراءات منحازة أو غير دقيقة، لا تخدم المصالح الوطنية للدول، وفي مقدمتها الأردن.

وأكد أن المشروع الإسرائيلي، في صورته الراهنة تحت هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف، يمثل تهديدًا بالغ الخطورة على مجمل البنية الإقليمية، مشيرًا إلى أن هذا المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع السياسية والديموغرافية والجغرافية، بما يقوض فرص التسوية السياسية، ويدفع نحو تصفية حل الدولتين.

وأضاف أن هذا المسار يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها الدفع باتجاه تهجير الفلسطينيين، وخلق وقائع قد تنعكس بشكل مباشر على الأردن، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الديموغرافي، وهو ما يجعل من هذه التطورات مسألة تمس الأمن الوطني الأردني بشكل مباشر.

وفي هذا الإطار، شدد الرفاعي على أن الضفة الغربية لم تعد مجرد ملف تضامن سياسي أو إنساني، بل باتت قضية أمن وطني أردني مباشر، في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بتهجير السكان أو تفريغ الأرض من مضمونها السياسي، الأمر الذي يفرض على الأردن إبقاء هذا الملف في صلب تفكيره الاستراتيجي والدبلوماسي.

وأكد أن حماية الضفة الغربية، ومنع أي مسار يقود إلى تهجير الفلسطينيين أو تقويض فرص إقامة دولتهم المستقلة، يجب أن تبقى أولوية أردنية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حماية الأمن الوطني الأردني واستقرار المنطقة.

وفي المقابل، أوضح الرفاعي أن إيران لا يمكن فهمها من خلال اختزالها في بعدها الديني أو المذهبي، بل يجب النظر إليها باعتبارها دولة مشروع سياسي، تمتلك رؤية واضحة لمصالحها وأهدافها، وتتحرك في الإقليم بمنطق القوة والنفوذ.

وأشار إلى أن إيران استخدمت الدين والمذهب في مراحل مختلفة كأدوات تعبئة ووسائل نفوذ، لكنها لم تتحرك في الإقليم بوحي مذهبي صرف، بل وفق حسابات دقيقة تغلب مصلحة الدولة على أي اعتبارات أخرى، وهو ما يتطلب قراءة سلوكها السياسي ضمن هذا الإطار.

وأضاف أن اختزال إيران في كونها دولة دينية فقط يمثل خطأ تحليليًا شائعًا، إذ إن سلوكها يعكس براغماتية سياسية واضحة، تستخدم فيها الأيديولوجيا حين تخدم أهدافها، وتؤجلها أو تتجاهلها حين لا تتوافق مع مصالحها.

وتناول الرفاعي التحولات التي شهدها الإقليم منذ عام 2003، مشيرًا إلى أن احتلال العراق شكل نقطة تحول مفصلية أدت إلى اختلال عميق في النظام الإقليمي العربي، ما أتاح لإيران فرصًا استثنائية للتمدد والتغلغل في عدد من الساحات العربية، بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وأوضح أن هذا التمدد مكّن إيران من بناء شبكة نفوذ واسعة وأوراق ضغط متعددة، لكنه في الوقت ذاته كان مكلفًا على عدة مستويات، سواء من حيث استنزاف الموارد الإيرانية، أو من حيث تأثيره على استقرار الدول العربية، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وتعزيز منطق الميليشيات والهويات الفرعية.

وأشار إلى أن هذا المسار انعكس أيضًا سلبًا على الشعب الإيراني نفسه، الذي تحمل أعباء هذا التمدد على حساب أولوياته التنموية والاقتصادية، ما يبرز طبيعة المفاضلات التي تقوم بها الدولة الإيرانية في إدارة سياساتها الإقليمية.

تصفح أيضًا: وزير التربية: ذكرى الوفاء والبيعة محطة وطنية نؤكد فيها اتصالنا بتاريخنا وثقتنا بمستقبلنا

وفي سياق تحليل طبيعة العلاقات الإقليمية، أكد الرفاعي أن الدول لا تتحرك وفقًا لمنطق المشاعر أو الوفاء الأخلاقي، بل وفقًا لحسابات المصلحة وتقدير الضرورة، وهو ما يظهر بوضوح في العلاقات الإيرانية مع عدد من الدول، بما في ذلك روسيا وتركيا.

وأوضح أن هذه العلاقات، رغم ما شهدته من توترات تاريخية، شهدت مستويات من التنسيق والتفاهم عندما تقاطعت المصالح، ما يعكس الطبيعة البراغماتية للسياسة الدولية، ويؤكد أن التحالفات تبنى على أساس المصالح لا على أساس الانسجام الأيديولوجي.

وأضاف أن إيران ليست جمعية خيرية، وليست دولة تحكمها العاطفة، بل دولة مصلحة بامتياز، وهو ما يفسر طبيعة تحركاتها وسلوكها في الإقليم.

كما أشار إلى أن إيران لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل إلا في سياقات محدودة مرتبطة بالحفاظ على هيبتها، ما يعكس طبيعة حساباتها الدقيقة في إدارة الصراع، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو الشعارات.

وعلى الصعيد الداخلي، حذر الرفاعي من مخاطر الاستقطاب والانقسام المجتمعي، مشيرًا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت، في كثير من الأحيان، في تعميق الانقسامات، وتغذية خطاب التخوين والتبسيط، ما يضعف مناعة المجتمعات ويخدم المشاريع التي تستفيد من تفكك الدول.

وأكد أن حماية الوعي، وتعزيز لغة العقل، والتمييز بين الرأي والتحريض، لم تعد قضايا ثقافية ثانوية، بل أصبحت جزءًا من متطلبات الأمن السياسي والاجتماعي.

وفي ما يتعلق بالموقف الأردني، شدد الرفاعي على أن القرار الأردني لا يُصنع تحت ضغط الانفعال أو الهتاف أو المزايدات، بل يُبنى في مؤسسات الدولة، وفي دوائر التقدير الاستراتيجي، استنادًا إلى خبرة طويلة ومتراكمة في التعامل مع أزمات المنطقة.

وأشار إلى أن هذا النهج كان أحد أسباب قدرة الأردن على الحفاظ على استقراره وتوازنه، وتفادي العديد من الانزلاقات التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.

وأكد أن الأردن يجب أن يبقى ثابتًا في موقعه بين المشاريع المتنافسة، دولةً تعرف مصالحها، وتحمي سيادتها، وترفض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ميدانًا للفوضى.

كما شدد على أهمية الحفاظ على الثقة الدولية التي راكمها الأردن عبر عقود، معتبراً إياها أحد أهم عناصر قوته، ورافعة لدوره الإقليمي والدولي، إلى جانب ضرورة تعزيز علاقاته العربية، والانخراط في بيئة إقليمية أكثر استقرارًا.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب اعتمادًا أكبر على الذات، وتعزيز التكامل العربي، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والأمني بين الدول العربية، بما يحقق مصلحة جماعية في مواجهة التحديات المشتركة.

وأكد الرفاعي أن الأردن اليوم أمام واجب الوعي وضرورة التماسك، وأمام استحقاق حماية الدولة وتثبيت البوصلة، مشددًا على أن الالتفاف حول الدولة الأردنية، والقيادة الهاشمية، والثقة بمؤسسات القرار، يشكل أحد أهم شروط المنعة السياسية في هذه المرحلة الدقيقة.

وأضاف أن الأردن لم يُبنَ صدفة، ولم يتشكل بالشعارات، بل بوعي الدولة، وبالتضحيات، وبالعرق والدم، وبحكمة القيادة، وبوفاء المجتمع، وهو ما يفرض مسؤولية جماعية للحفاظ عليه وتعزيز استقراره.

وأكد أن قوة الأردن واستمراره في أداء دوره الإقليمي تتطلب الحفاظ على وحدته الداخلية، وتعزيز ثقته بنفسه، والاستمرار في تبني نهج الاعتدال والعقلانية في التعامل مع التحديات.

وشدد على أن المرحلة المقبلة لا تحتمل التردد أو الانقسام، بل تتطلب وضوحًا في البوصلة، وثباتًا في الموقف، ووعيًا سياسيًا عميقًا، يضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، ويعزز قدرته على مواجهة التحديات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

Exit mobile version