الزمالك، لا تكتب كرة القدم سيناريوهاتها داخل غرف مغلقة، بل ترتجلها فوق عشب الملاعب الأخضر بمداد من دموع الحالمين وعرق الكادحين وصدمات المنكسرين، وفي تاريخ الساحرة المستديرة، هناك أيام لا تُنسى، ليس لأنها شهدت تتويج بطل تاريخي فحسب، بل لأنها وثقت مأساة رياضية حُفرت في الوجدان الإنساني كأقسى ما يكون العقاب الرياضي.
إن ذكرى الخامس من مايو لعام 2002 ليست مجرد جولة عادية في تاريخ الدوري الإيطالي، بل هي مرادف لكلمة كابوس في معجم مشجعي إنتر ميلان، واليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمن، يلوح في أفق الدوري المصري الممتاز سيناريو يطابق تلك التراجيديا الإيطالية بجميع تفاصيلها الرياضية والنفسية والحسابية.
يجد نادي الزمالك نفسه واقفًا على الحافة ذاتها التي وقف عليها رفاق الظاهرة رونالدو نازاريو، حيث تفصلهم خطوة واحدة إما عن معانقة المجد وإما السقوط الحر إلى هاوية المركز الثالث، الذي لا يعني خسارة اللقب فحسب، بل الحرمان من جنة دوري أبطال إفريقيا في الموسم المقبل.
لكي نفهم حجم الرعب الذي يهدد القلعة البيضاء في القاهرة، يجب أولًا أن نسافر بالزمن إلى الوراء، وتحديدًا إلى عصر الكالتشيو الذهبي، أقوى دوري في العالم مع مطلع الألفية الجديدة.
قبل الجولة الأخيرة والـ 34 من موسم 2001-2002، كان الترتيب يحبس الأنفاس: إنتر ميلان يتصدر برصيد 69 نقطة، يليه يوفنتوس ثانًيا برصيد 67 نقطة، ثم روما (حامل اللقب آنذاك) ثالثًا برصيد 66 نقطة، كانت المعادلة بالنسبة للإنتر واضحة وبسيطة في ظاهرها: الفوز على لاتسيو في الملعب الأولمبي بالعاصمة روما يعني التتويج بلقب الدوري رسميًا ولأول مرة منذ عام 1989، دون النظر إلى ما ستسفر عنه بقية الملاعب.
كانت الأجواء تتهيأ لكرنفال أزرق وأسود في قلب روما، دخل أكثر من 40 ألف مشجع للإنتر إلى الملعب الأولمبي، حتى أن جماهير لاتسيو نفسها كانت تشجع الإنتر علنًا! فالعداوة التاريخية بين لاتسيو وغريمه التقليدي روما جعلت مشجعي العاصمة يفضلون رؤية الإنتر بطلًا على أن تذهب الكأس لروما أو حتى للغريم اللدود يوفنتوس.
كان لاتسيو يقبع في المركز السادس، وليس له في الصراع على اللقب لا ناقة ولا جمل، ولم يكن يطمح سوى لحجز مقعد مؤهل لبطولة كأس الاتحاد الأوروبي. كل المعطيات كانت تقول إنتر ميلان بطلًا لإيطاليا الليلة.
بدأت المباراة درامية كما أرادها عشاق النيراتزوري؛ تقدم هداف الفريق كريستيان فييري مبكرًا للإنتر في الدقيقة 12، ورغم تعادل الكاميروني كارل بوبورسكي للاتسيو في الدقيقة 20، إلا أن لويجي دي بياجيو أعاد المقدمة للإنتر برأسية في الدقيقة 24، بدت الأمور تحت السيطرة، لكن القدر كان يخبئ للإنتر وجهًا مرعبًا.
في الدقيقة الأخيرة من الشوط الأول، ارتكب المدافع السلوفاكي فراتيسلاف جريشكو خطأً كارثيًا برأسية قصيرة لحارس مرمى فريقه فرانشيسكو تولدو، انقض عليها الثعلب التشيكي بوبورسكي محرزًا هدف التعادل للاتسيو، كان هذا الهدف بمثابة نقطة التحول النفسية التي كسرت كبرياء الإنتر كليًا.
ومع انطلاق الشوط الثاني، تحول الملعب إلى جحيم على لاعبي كوبر، سجل الأرجنتيني دييجو سيميوني (لاعب الإنتر السابق) الهدف الثالث للاتسيو برأسية متقنة في الدقيقة 56، رافضًا الاحتفال احترامًا لمشاعر فريقه السابق، ثم رصاصة الرحمة في الدقيقة 73 برأسية من سيموني إنزاجي لتصبح النتيجة 4-2.
في تلك الأثناء، كان يوفنتوس يلتهم أودينيزي بهدفين نظيفين سجلهما ديفيد تريزيجيه وأليساندرو ديل بييرو في أول 11 دقيقة، بينما نجح روما في الفوز على تورينو بهدف نظيف سجله أنطونيو كاسانو.
لم تكن الكارثة في خسارة التتويج فحسب، بل في الترتيب النهائي الذي صدم العالم؛ تجمد رصيد الإنتر عند 69 نقطة، بينما قفز يوفنتوس للصدارة برصيد 71 نقطة ليتوج بطلًا، وصعد روما للمركز الثاني برصيد 70 نقطة.
تراجع الإنتر المتصدر من المركز الأول إلى المركز الثالث في غضون 90 دقيقة فقط! وخرجت من ذلك المساء الصورة التاريخية الأشهر في كرة القدم الحديثة: الظاهرة رونالدو نازاريو جالسًا على دكة البدلاء والدموع تنهمر من عينيه كطفل صغير.
الآن، وبعد مرور 24 عامًا على تلك الواقعة، يبدو أن الكرة الأرضية تدور لتعيد إنتاج المأساة ذاتها، ولكن هذه المرة في استاد القاهرة الدولي وبألوان بيضاء وحمراء وزرقاء.
في الجولة الأخيرة والحاسمة من عمر الدوري المصري الممتاز، يقف نادي الزمالك في صدارة جدول الترتيب برصيد 53 نقطة، يلاحقه بيراميدز بشراسة في المركز الثاني برصيد 51 نقطة، بينما يأتي غريمه التقليدي الأهلي في المركز الثالث برصيد 50 نقطة.
اقرأ ايضا: تبديل أرنولد الأسرع في تاريخ ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا.. تاريخ لا يُبشر
خريطة الجولة الأخيرة كالتالي:
رغم أن الزمالك يدخل اللقاء وهو صاحب الحظوظ الأوفر، ورغم أن سيراميكا كليوباترا يدخل المباراة وهو آمن في وسط الجدول بلا دوافع حقيقية للتتويج أو مخاوف من الهبوط (تمامًا كحالة لاتسيو في 2002)، إلا أن هذا التحرر من الضغوط هو بالتحديد ما يجعل الضيف الخطر الأكبر على الزمالك.
إن التشابه بين موقف الإنتر في 2002 والزمالك حاليًا يتجاوز مجرد خسارة اللقب، يكمن الرعب الأكبر في الحسابات النقطية والتنظيمية للبطولة؛ ففي حال حدوث المفاجأة وخسارة الزمالك أمام سيراميكا كليوباترا، مع فوز بيراميدز على سموحة وفوز الأهلي على المصري، فإن الترتيب سيتبدل تمامًا:
هذا السيناريو لا يعني فقط تبخر حلم التتويج بالدوري بعد موسم شاق وطويل، بل يعني حرمان الفريق الأبيض من التأهل إلى دوري أبطال إفريقيا للموسم القادم، فوفقًا للوائح الاتحاد الإفريقي والمصري، يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني فقط إلى دوري الأبطال، بينما يذهب صاحب المركز الثالث للعب في بطولة كأس الكونفدرالية الإفريقية.
بالنسبة لجماهير الزمالك وإدارته، فإن الهبوط إلى الكونفدرالية ليس مجرد تراجع رياضي، بل هو ضربة مالية وتسويقية قاسية للنادي الذي يسعى لتثبيت أقدامه ماليًا وإبرام صفقات كبرى، إنها العقوبة القصيرة المدى والمؤلمة التي تجعل من مباراة سيراميكا كليوباترا مسألة حياة أو موت.
لماذا يخشى الزمالك من سيراميكا كليوباترا في هذه المباراة تحديدًا؟ الجواب يكمن في سيكولوجية كرة القدم، عندما تلعب ضد فريق يقاتل من أجل البقاء أو ينافس على اللقب، فإن خططه وأوراقه تكون مكشوفة ومحملة بضغوط عصبية هائلة قد تشل حركة لاعبيه، أما عندما تواجه فريقًا يلعب للمتعة فقط، دون أي ضغوط نفسية أو جماهيرية، فإنك تواجه الخطر الأكبر.
سيدخل لاعبو سيراميكا اللقاء والجميع يتوقع خسارتهم أو تعادلهم على أقل تقدير أمام رغبة الزمالك الجارفة وجماهيره الـ 40 ألفًا، هذا التحرر الكامل سيسمح لمدرب الفريق علي ماهر ولاعبيهم بتقديم كرة قدم هجومية ممتعة، خالية من التحفظ والتوتر المعتاد في مواجهات الحسم.
وإذا نجح سيراميكا في خطف هدف مبكر، فإن سيناريو جريشكو ولاتسيو سيبدأ في العبث بأعصاب لاعبي الزمالك وجماهيرهم في المدرجات.
تحت الضغط الهائل، قد يتحول دعم الـ 40 ألف متفرج في استاد القاهرة إلى عبء ثقيل يكبّل أقدام اللاعبين إذا ما تأخر الفوز أو تلقت الشباك البيضاء هدفًا مفاجئًا، إن التاريخ يعلمنا أن الجماهير في مباريات الحسم سلاح ذو حدين؛ إما أن تدفعك للأمام، وإما أن تصيبك بالذعر والتعجل عند أول هفوة دفاعية.
في المقابل، يعيش معسكرا بيراميدز والأهلي حالة من الهدوء النسبي والترقب الذكي، بيراميدز، الذي غالبًا ما يلعب مبارياته بعيدًا عن الصخب الجماهيري والإعلامي، يعلم تمامًا أن الضغط كله يقع على عاتق الزمالك، سيدخل رفاق رمضان صبحي ومصطفى فتحي مواجهة سموحة بهدف واحد واضح: تحقيق النقاط الثلاث وترك الباقي للقدر ولأقدام لاعبي سيراميكا كليوباترا.
أما الأهلي، فرغم حاجته لمعجزة حقيقية، إلا أن النادي الأحمر يملك في جيناته ما يسمى بالقتال حتى الرمق الأخير، يعلم لاعبو الأهلي أن مهمتهم الأولى هي الفوز في برج العرب على المصري، ومن ثم تفعيل حالة الترقب لما يحدث في استاد القاهرة والدفاع الجوي.
تاريخ النادي الأهلي مليء بالبطولات التي حُسمت في الثواني الأخيرة، وهو الأمر الذي يضع ضغطًا إضافيًا مستترًا على لاعبي الزمالك، الذين يدركون أن أي هفوة تعني أن غريمهم التقليدي لن يرحمهم وسيقفز على الفور لخطف المقعد المؤهل لدوري الأبطال على أقل تقدير.
في الخامس من مايو 2002، كتب الكاتب الإيطالي الشهير ماريو سفورزا عقب نكسة الإنتر:
تلك الجملة تختصر حقيقة معارك الحسم في كرة القدم، الزمالك اليوم يملك كل مقومات البطل: الصدارة، الأرض، الجمهور، والدافع الكبير لتعويض جماهيره، لكن الخوف من الفوز، والتوتر الناجم عن التفكير في عواقب الخسارة، هما العدو الحقيقي والأول للفريق الأبيض داخل المستطيل الأخضر.
هل سينجح عبدالله السعيد ورفاقه في ترويض سيراميكا كليوباترا وتفادي السقوط في فخ التوتر العصبي ليرقصوا تحت أضواء استاد القاهرة كأبطال متوجين بالدوري؟ أم أن شبح الظاهرة رونالدو وهو يبكي بحرقة على دكة البدلاء في الأولمبيكو سيتجسد مجددًا بصورة كربونية على مقاعد بدلاء الزمالك.
حدوث هكذا سيناريو سيعلن عن ولادة بطل جديد اسمه بيراميدز، وصعود للأهلي من رماد الموسم، ونزول مأساوي للزمالك إلى المركز الثالث وكأس الكونفدرالية؟ 90 دقيقة مجنونة تفصل الجماهير المصرية عن معرفة الجواب، في ليلة ستظل محفورة في ذاكرة الكرة المصرية لسنوات طويلة قادمة.
