رصد موقع «برلماني»، المتخصص في الشأن التشريعى والنيابى، في تقرير له تحت عنوان: «الستر في القانون الجنائي»، استعرض خلاله علاقة الستر بالقانون الجنائى، حيث إنه لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني، بل يعنى أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير لساحة القضاء بلا ضابط، ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد لكل ما يمكن علمه أو إثباته، وقيمة الستر في الإسلام لا يوصف مجرد خُلق فردي بل كمنهج يحكم سلوك الإنسان في علاقته بنفسه وبغيره.
وهنا تأتى حزمة من التساؤلات قانونيا: كيف تعامل القانون الجنائي في تطوره الحديث مع هذه الفكرة؟ وهل بقي الستر في نطاق الوعظ الديني أم أنه تسلل -بصورة واعية أو ضمنية-إلى صلب البناء التشريعي موضوعا وإجراءً؟ ومن هذا الخاطر تولدت الرغبة في إعادة قراءة القانون الجنائي من زاوية مختلفة لا تبحث فقط في نصوصه الصريحة بل في “منطقه الكامن” وفي الحدود التي رسمها لما يجوز كشفه وما ينبغي ستره، وهل كل ما يعلم يقال؟ وهل كل ما يرتكب يكشف؟ أم أن العدالة -في لحظتها الأصفى- تعرف أن الصمت قد يكون أعدل من الكلام وأن الحجب قد يكون أقرب إلى روح الإنصاف من الإظهار؟
نوصي بقراءة: نائب بمجلس الشيوخ: مصر تعمل على منع التصعيد العسكرى فى المنطقة
ليست هذه تساؤلات بلاغية بل هي مفاتيح لفهم طبقة في القانون الجنائي طبقة لا ترى في ظاهر النصوص لكنها تحكم اتجاهها وتضبط إيقاعها، فالقانون الجنائي رغم ما يحيط به من صرامة وهيبة ليس قانون فضحٍ مطلق ولا آلية كشفٍ بلا قيد وإنما هو نظام دقيق يقوم على موازنة شديدة الحساسية بين مقتضيات الردع وحدود الكرامة بين حق المجتمع في العقاب وحق الإنسان في الصون، وفي هذه المنطقة الفاصلة يتبدى “الستر” لا كاستثناء عارض بل كمبدأ كامن وقيدٍ ذاتي وحكمة تشريعية تضبط سلطان العقاب وترده إلى حدوده المشروعة.
في التقرير التالى، نلقى الضوء على الستر في القانون الجنائي، فالستر، في معناه القانوني الدقيق لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني من المساءلة، وإنما يعني أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير إلى ساحة القضاء بلا ضابط ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد إلى كل ما يمكن علمه أو إثباته، بل يتدخل ليضع حدودا فاصلة بين ما يجب كشفه وما ينبغي حجبه، إنه، في جوهره قيد على الإفراط لا على العدالة وضابط لاندفاع السلطة لا تعطيل لوظيفتها، ومن ثم، فإن الستر لا يقف في مواجهة العدالة بل يسكن في صميمها لأن العدالة التي تكشف كل شيء بلا تمييز قد تنقلب إلى قسوة وقد تهدر من القيم ما جاءت في الأصل لحمايته.
“الستر” في القانون الجنائي.. لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني.. يعنى أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير لساحة القضاء بلا ضابط.. ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد لكل ما يمكن علمه أو إثباته
