- اعلان -
الرئيسية الرياضة بايرن ميونخ.. أسد أمام كبار أوروبا وقطة وديعة في حضرة ريال مدريد

بايرن ميونخ.. أسد أمام كبار أوروبا وقطة وديعة في حضرة ريال مدريد

0

بايرن ميونخ، في عالم كرة القدم، هناك فرق تتربع على القمة بسطوة لا ينازعها أحد، وقوى عظمى تفرض وجودها بحضور رهيب على المستويين المحلي والقاري، من بين هذه القوى، يبرز اسم بايرن ميونخ كإعصار مدمر، وماكينة أهداف لا تتوقف عن الدوران، محلياً، هو بطل الرقم القياسي في ألمانيا، وقارياً، يشكل كابوساً لأي خصم يتجرأ على الوقوف في طريقه، منذ 2014، أصبح بايرن ميونخ يشبه السفاح، يحصد الرؤوس الكبيرة بنتائج فلكية، تاركاً بصمات لا تُمحى في ذاكرة دوري أبطال أوروبا.

ولكن، كما في الأساطير الإغريقية، لكل “آخيل” كعب، ولكل عملاق نقطة ضعف، بالنسبة لبايرن ميونخ، هذه النقطة ليست في الخطط التكتيكية، ولا في القدرات البدنية، بل في متلازمة نفسية مستعصية تحمل اسماً واحداً ولوناً واحداً وشعاراً واحداً: ريال مدريد، النادي الملكي الإسباني، بقميصه الأبيض الناصع وتاريخه المليء بالألقاب، يمثل اللعنة التي تطارد البافاريين في كل مواجهة، الجدار الذي تتحطم عليه كل الطموحات، والخصم الذي يبدو دائماً جاهزاً لتسديد الضربة القاضية.

الدراما تتجلى في أن بايرن ميونخ، الذي يقهر منافسيه محلياً ويهزم كبار أوروبا بنتائج مهولة، يتحول عند مواجهة ريال مدريد إلى فريق يضيع تركيزه ويظهر بمظهر غير معتاد، حتى أعظم أسود أوروبا تبدو وكأنها تتردد، وكأنها تفتقد تلك القسوة التي اعتاد عليها الجمهور أمام الفرق الأخرى، لتتبدد الثقة أمام الحضور الملكي في سانتياجو برنابيو.

إن هذه المفارقة تكشف جانباً إنسانياً غريباً في كرة القدم: القوة المطلقة لا تكفي دائماً، والأرقام والإحصاءات لا تستطيع وحدها كسر إرادة الخصم، بايرن ميونخ، رغم إرادته الحديدية وسيطرته المطلقة في معظم الظروف، يظل رهين التاريخ والذكريات أمام ريال مدريد، الذي يحوّل كل مواجهة إلى درس في التواضع والواقعية، ويثبت أن حتى أعظم الفرق لديها نقاط ضعف لا مفر منها.

لفهم حجم المأساة البافارية أمام ريال مدريد، يجب أولاً أن نستحضر صورة بايرن الحقيقي أمام بقية العالم، منذ فوزه بالثلاثية التاريخية في 2013 تحت قيادة يوب هاينكس، ثم حقبة بيب جوارديولا، وصولاً إلى سداسية هانز فليك التاريخية في 2020، تحول بايرن إلى آلة كروية لا ترحم، لم يكن يكتفي بالفوز، بل كان يسعى للإذلال الكروي، وكسر المعنويات، وتسجيل أرقام قياسية لا تُصدق.

إذا أردنا تجسيد توحش بايرن أمام الكبار، فلن نجد مثالاً أروع (أو أبشع، لمن عاشه) من ليلة 14 أغسطس 2020 في لشبونة، في ربع نهائي دوري الأبطال (الذي أقيم من مباراة واحدة بسبب جائحة كورونا)، واجه بايرن العملاق الإسباني الآخر، برشلونة، بقيادة ليونيل ميسي.

ما حدث في تلك الليلة لم يكن مباراة كرة قدم، بل كان هجوماً شاملاً، بدأ الإعصار البافاري مبكراً، ولم يتوقف حتى أطلقت صافرة النهاية على نتيجة تاريخية، زلزلت أركان الكوكب: 8-2، ثمانية أهداف كاملة في شباك تير شتيجن، سجلها مولر (هدفين)، ليفاندوفسكي، جنابري، بيريسيتش، كيميش، وكوتينيو (المعار من برشلونة نفسه، والذي سجل هدفين وصنع آخر في الدقائق الأخيرة).

تلك الليلة لم تكن مجرد فوز، بل كانت نهاية حقبة لبرشلونة، وإعلاناً رسمياً بأن بايرن هو القوة المهيمنة المطلقة في أوروبا، في ذلك الموسم (2019-2020)، حقق الفريق أفضل موسم في تاريخه بـ 82 نقطة محلياً، وفاز بـ 10 انتصارات متتالية خارج الأرض، وكان الثنائي ليفاندوفسكي ومولر يعتبر من أفضل الثنائيات تهديفياً في أوروبا منذ 2014، حيث سجل ليفاندوفسكي وحده 55 هدفاً في جميع المسابقات ذلك الموسم.

برشلونة لم يكن الضحية الوحيدة لطموحات بايرن، قائمة الضحايا الكبار طويلة ومؤلمة:

ضد بروسيا دورتموند: محلياً، فرض بايرن سيطرة مطلقة (حسم الدوري 2013-2014 قبل 7 جولات)، وضد غريمه التقليدي دورتموند، حقق انتصارات عريضة في الكلاسيكو، منها الفوز 6-0 في 2018، و 5-0 في 2019، و 4-0 في 2019.

الإحصائيات والأرقام القياسية العامة تؤكد هذه الهيمنة، الوصول لأدوار متقدمة بدوري الأبطال مع تسجيل أرقام قياسية في عدد الأهداف، وسلسلة انتصارات قياسية، وسلسلة مباريات متتالية دون خسارة، بايرن كان، دون شك، الأسد الذي يرعب الجميع.

الآن، لنفتح الستار على المشهد الآخر، المشهد الكابوسي لبايرن ميونخ، لنغلق ملفات النتائج الثقيلة، ولنفتح السجل الأسود لمواجهاته ضد ريال مدريد منذ عام 2014.

التاريخ يقول إن الفريقين التقيا في 28 مباراة، نجح خلالها ريال مدريد في تحقيق 13 انتصارًا، مقابل 11 فوزًا لبايرن ميونخ، فيما حسم التعادل 4 مواجهات، وعلى صعيد الأهداف، سجل ريال مدريد 45 هدفًا، بينما أحرز بايرن ميونخ 42 هدفًا، الإحصائيات العامة قد توحي بتقارب نسبي، لكن مربط الفرس يكمن في التفاصيل، والتفاصيل منذ 2014 تحكي قصة سيطرة ملكية مطلقة، وخضوع بافاري تام.

منذ عام 2014، التقى الفريقان في الأدوار الإقصائية لدوري الأبطال 4 مرات (8 مباريات)، النتيجة؟ ريال مدريد تأهل في كل مرة، وتُوج باللقب في كل مرة تأهل فيها على حساب بايرن (2014، 2017، 2018، 2024).

كيف يحدث هذا؟ كيف يتحول الفريق الذي دعس برشلونة 8-2، إلى فريق يعجز عن الفوز بمباراة واحدة ضد ريال مدريد في 8 محاولات متتالية؟ الجواب لا يكمن فقط في جودة لاعبي ريال مدريد (وهي استثنائية)، بل في الحالة الذهنية، والشخصية، وما يُعرف بروح سانتياجو برنابيو، ريال مدريد هو الفريق الوحيد في أوروبا الذي لا يخشى بايرن ميونخ، بل على العكس.

البداية الحقيقية لهذه اللعنة كانت في موسم 2013-2014، بايرن كان بطلاً لأوروبا، ومعززاً بمدرب عبقري هو بيب جوارديولا، الذي جاء لفرض أسلوب “التيكي تاكا” على الماكينات الألمانية، كان الجميع يتوقع أن بايرن سيحتفظ بلقبه، وكان ريال مدريد، تحت قيادة كارلو أنشيلوتي، يبحث عن العاشرة المستعصية.

تصفح أيضًا: موقف ميسي من المشاركة ضد أورلاندو في كأس الدوريات

في نصف النهائي، فاز ريال مدريد بـ 1-0 ذهاباً في سانتياجو برنابيو، النتيجة كانت مفاجئة، لكن الجميع توقع أن أليانز أرينا سيكون الجحيم الذي سيحترق فيه الميرنجي في الإياب، جوارديولا وعد بالأفضل، والجماهير البافارية أعدت تيفو مرعباً.

ما حدث في الإياب كان صدمة زلزلت ألمانيا، لم يكن بايرن أسداً، بل كان قطة ضلت طريقها في ليلة عاصفة، ريال مدريد، بذكاء كارلو أنشيلوتي وسرعة الـ “BBC” (بيل، بنزيما، كريستيانو)، دمر دفاع بايرن الهش.

يظل الفوز الأكبر في تاريخ المواجهات من نصيب ريال مدريد، بعدما اكتسح الفريق الألماني برباعية نظيفة (4-0) في ميونخ، سيرجيو راموس سجل هدفين من ضربتين رأسيتين، ثم أكمل كريستيانو رونالدو المجزرة بهدفين آخرين، أحدهما من ركلة حرة مرت من تحت الحائط البشري.

النتيجة الإجمالية كانت خروجاً مذلاً لبايرن بنتيجة 5-0، تلك الليلة كشفت عيوب أسلوب جوارديولا أمام الفرق القوية تكتيكياً، ورسخت في أذهان لاعبي وجماهير بايرن أن ريال مدريد هو عقدتهم الأبدية.

لم يكن سقوط 2014 مجرد كبوة جواد، بل كان بداية لسلسلة من المآسي الدراماتيكية، في كل مرة واجه فيها بايرن ريال مدريد بعدها، كان يشعر الجماهير أن النهاية مكتوبة سلفاً، مهما حدث في المباراة.

في ربع نهائي موسم 2016-2017، فاز ريال مدريد بـ 2-1 في ميونخ (هدفان لكريستيانو رونالدو)، في الإياب في سانتياجو برنابيو، قاتل بايرن ببسالة وتقدم 2-1 في الوقت الأصلي، ليتم اللجوء للأشواط الإضافية.

هنا، انهار بايرن ذهنياً وبدنياً، وتحول الأسد إلى ضحية للخطأ التحكيمي والقوة الهجومية المدريدية، كريستيانو رونالدو سجل هدفين آخرين (أحدهما من تسلل واضح لم يرصده الحكم)، ثم أضاف ماركو أسينسيو الهدف الرابع، لينتهي اللقاء بـ 4-2 (الإجمالي 6-3 لصالح ريال مدريد)، خرج بايرن غاضباً من التحكيم، لكنه خرج مهزوماً مرة أخرى.

في نصف نهائي موسم 2017-2018، تكرر السيناريو، فاز ريال مدريد بـ 2-1 في ميونخ، في الإياب، تقدم بايرن مبكراً بهدف كيميش، لكن ريال مدريد تعادل بسرعة عبر بنزيما.

في بداية الشوط الثاني، وقعت مأساة حقيقية، حارس بايرن البديل، أولريش ارتكب خطأ ساذجاً لا يغتفر عند محاولة استقبال تمريرة خلفية، فانزلق وترك الكرة تمر من تحته، ليخطفها بنزيما ويسجل الهدف الثاني في شباك خالية.

رغم أن بايرن تعادل عبر خاميس رودريجيز، وقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، إلا أن اللقاء انتهى 2-2، وتأهل ريال مدريد بمجموع 4-3 للنهائي وفاز باللقب، خطأ أولريش لم يكن مجرد خطأ فني، بل كان تجسيداً لـ القطة الخائفة التي تظهر أمام ريال مدريد في المواعيد الكبرى.

بعد فوز بايرن بلقب 2020 وتراجع مستوى ريال مدريد نسبياً، اعتقد الكثيرون أن العقدة قد حُلت، لكن موسم 2023-2024 أثبت العكس تماماً، وبطريقة أكثر دراماتيكية، في نصف النهائي، واجه بايرن مدريد مرة أخرى، ذهاباً في أليانز أرينا، وبعد مباراة مثيرة، انتهى اللقاء بالتعادل 2-2 (هدفان لفينيسيوس جونيور من جهة مدريد). النتيجة كانت إيجابية لبايرن، والآمال كانت معقودة على تحقيق المفاجأة في الإياب.

في سانتياجو برنابيو، قدم بايرن واحدة من أفضل مبارياته التكتيكية، دفاع صلب، ومرتدات خطيرة، وفي الدقيقة 68، سجل ألفونسو ديفيز هدفاً رائعاً من تسديدة قوية سكنت الشباك، ليتقدم بايرن 1-0، ويكون على بُعد خطوة واحدة من النهائي، لكن، ريال مدريد هو ريال مدريد، فريق الريمونتادا الذي لا يموت، في الدقائق العشر الأخيرة، تحول الجحيم إلى حقيقة بالنسبة لبايرن.

في ثلاث دقائق، تحول بايرن من فائز متأهل إلى مهزوم خارج المسابقة، بنتيجة 2-1 الإجمالي 4-3 لصالح ريال مدريد، خرج بايرن غاضباً من قرارات تحكيمية في الدقائق الأخيرة (هدف ألغي بداعي التسلل قبل اكتمال اللقطة)، لكن الواقع هو أنهم خسرو مرة أخرى، وبطريقة دراماتيكية.

هنا تحديدًا، تجسد قصة بايرن ميونخ وريال مدريد منذ 2014 واحدة من أكثر القصص دراماتيكية في تاريخ كرة القدم الحديثة، هي قصة فريق جبار، أسد حقيقي يدهس الجميع، ويخيف كبار أوروبا بأرقامه القياسية وقوته الهجومية الكاسحة.

ولكن، هي أيضاً قصة قطة وديعة تظهر أمام ريال مدريد في كل مرة، فريق يفقد هيبته، وتفكيره السليم، وتركيزه العالي بمجرد أن يرى اللون الأبيض، المآسي المتكررة في 2014، 2017، 2018، و2024 لم تكن محض صدفة، بل هي تجسيد لـ “متلازمة” مستعصية.

ريال مدريد لا يفوز على بايرن فقط بالخطط الفنية أو المهارات الفردية، بل يفوز بالشخصية والتاريخ وروح سانتياجو برنابيو، ريال مدريد هو الفريق الذي لا يخشى الخسارة أمام بايرن، بل يشعر بالتفوق التاريخي عليه في المواجهات الإقصائية (أقصى بايرن في آخر 4 مواجهات مباشرة بينهما).

بالنسبة لبايرن ميونخ، سيظل ريال مدريد هو الجدار الذي يجب أن يتحطم يوماً ما إذا أراد الفريق البافاري أن يثبت أنه ملك أوروبا الحقيقي، وليس فقط المدمر الذي يدهس من هم دونه شأناً، وحتى ذلك الحين، ستبقى الجماهير البافارية تخشى ليلة كروية في سانتياجو برنابيو، وتتمنى ألا يظهر الأسد الأبيض في طريقها.

Exit mobile version