تسير كرة القدم في دورات درامية غريبة، حيث تولد فرص العظماء من رحم انكسار الآخرين، وبينما تئن إيطاليا تحت وطأة صدمة قومية جديدة، يبدو أن برشلونة، ذلك القناص التاريخي للفرص، بدأ يجهز مسرحه لاستقبال ضحية جديدة من ضحايا الانهيار الإيطالي؛ إنها قصة تتجاوز مجرد “سوق انتقالات”؛ هي سردية عن سقوط إمبراطورية كروية كانت لا تغيب عنها الشمس، وصعود نادٍ يعرف جيدًا كيف يستغل لحظات الزلزال في تورينو وميلانو وروما.
اليوم، أليساندرو باستوني ليس مجرد مدافع مطرود أو منبوذ، بل هو تجسيد حي لعنة إيطالية بدأت منذ عقدين، وها هي تصل إلى ذروتها في ليلة بوسنية حزينة، لتعيد للأذهان مشهد الهروب الكبير من جنة الكالتشيو التي أصبحت جحيمًا.
في عام 2006، وبينما كانت إيطاليا ترفع كأس العالم في سماء برلين، كان الداخل الإيطالي يحترق بلهيب فضيحة الكالتشيو بولي، تلك الفضيحة التي لم تكن مجرد قضية فساد رياضي، بل كانت تسونامي ضرب جذور الكرة الإيطالية وأطاح بهيبة يوفنتوس إلى الدرجة الثانية؛ في تلك اللحظة، فتح عمالقة إسبانيا أبوابهم للاعبين الذين شعروا أن الأرض تهتز تحت أقدامهم.
رأينا فابيو كانافارو، بطل المونديال وصاحب الكرة الذهبية، يرتدي قميص ريال مدريد برفقة إيمرسون، بينما كان برشلونة يقتنص الثنائي الدفاعي الحديدي لليليان تورام وجيانلوكا زامبروتا، كانت تلك الهجرة الجماعية بمثابة “نزيف عقول وكفاءات”؛ حيث استغل برشلونة وريال مدريد حالة الهوان والضعف القانوني والمادي للأندية الإيطالية ليبنوا أمجادهم على حساب “سيري آ”.
كان اللاعب الإيطالي حينها عملة نادرة ومطلوبة، واليوم يعيد التاريخ نفسه بملامح مختلفة، حيث لم يعد الهروب من المحاكم، بل الهروب من جحيم الانتقادات والفشل الوطني الذي أصبح يطارد كل من يرتدي قميص الأزوري.
أليساندرو باستوني، الذي كان يُنظر إليه كخليفة شرعي لجيل العمالقة ومستقبل الدفاع الإيطالي الحديث، وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام؛ ليلة الملحق أمام البوسنة والهرسك لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت محاكمة علنية لم تنتهِ بإطلاق صافرة النهاية.
ذلك التدخل في الدقيقة 42 لم يكن مجرد خطأ فني، بل اعتبره الطليان “خيانة للعقل”، حيث ترك بطل أوروبا السابق يواجه مصيره بعشرة لاعبين في وقت كانت فيه تذكرة المونديال بين أيديهم.
الآن، يعيش باستوني حالة من “النفي المعنوي” داخل بلاده؛ فصافرات الاستهجان لم تعد ترحمه، والحملات الممنهجة عبر الصحف الكبرى جعلت من استمراره في إيطاليا أمرًا شبه مستحيل نفسيًا، هنا يبرز برشلونة كطوق نجاة، وكأن النادي الكتالوني يهمس في أذن باستوني: “تعال إلى حيث يُقدَّر المدافع الذي يبني اللعب، بعيدًا عن مقصلة الإعلام الإيطالي”.
قد يهمك أيضًا: نتيجة مباراة المغرب ونيجيريا اليوم.. توقعات الذكاء الاصطناعي لقمة كأس أمم إفريقيا
برشلونة يرى في باستوني القطعة المفقودة، المدافع الأعسر الذي يمتلك جينات البلوجرانا في التمرير، مستغلًا كونه أصبح منبوذًا في بيته، تمامًا كما استغل ظروف زامبروتا قبل عشرين عامًا.
عندما نقارن بين إيطاليا 2006 وإيطاليا 2026، نجد فجوة مرعبة لا يمكن تفسيرها فقط بالخطط الفنية. في 2006، كانت إيطاليا تسيطر على العالم رغم الفضيحة، لكن يبدو أن “الكالتشيو بولي” كانت هي السم بطيء المفعول الذي قضى على استدامة القوة الإيطالية.
منذ ذلك التتويج، دخل المنتخب في نفق مظلم: خروج من دور المجموعات في 2010 و2014، ثم الكارثة الكبرى بعدم التأهل لثلاث نسخ متتالية من كأس العالم (2018، 2022، و2026).
هذا الانهيار هو نتاج مباشر لضعف الدوري المحلي وفقدان الهوية الدفاعية التي كان باستوني أحد ضحاياها، الفضيحة القديمة دمرت الاقتصاد الرياضي الإيطالي، وجعلت الأندية عاجزة عن الحفاظ على نجومها أو صناعة جيل يمتلك عقلية الانتصارات.
اللاعب الإيطالي الذي كان يمثل الصلابة أصبح الآن يمثل الهشاشة تحت الضغط، وما حدث مع باستوني أمام البوسنة هو انعكاس للاعب يفتقر للحماية النفسية والمنظومة القوية التي كانت توفرها إيطاليا قديمًا.
الكالتشيو بولي لم تكن مجرد عقوبات هبطت باليوفي، بل كانت الرصاصة التي أصابت قلب التكوين الكروي الإيطالي، وجعلت من الأزوري مجرد ذكرى عابرة في المحافل العالمية الكبرى.
في الختام، يبدو أن قدر إيطاليا أن تظل مصدرًا للمواهب المنكسرة التي تبحث عن ترميم كبريائها في الخارج، إن ارتباط اسم باستوني ببرشلونة في هذا التوقيت بالذات ليس مجرد شائعة سوق، بل هو فصل جديد من فصول الهيمنة الإسبانية على أنقاض الكرة الإيطالية.
إذا تمت هذه الصفقة، فستكون بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية حقبة الدفاع الإيطالي الحصين وبداية عصر يجد فيه النجم الإيطالي نفسه مضطرًا لخلع قميص بلاده والبحث عن المجد بقميص البلوجرانا؛ بين دموع باستوني في ليلة البوسنة وابتسامة كشافي برشلونة، تُلخّص حكاية كرة القدم التي لا تعرف الرحمة، والتي تؤكد أن “مآسي قوم عند قوم فوائد.
